دمشق-سانا
لا يقدّم الفنان السوري صالح الهجر الخط العربي بوصفه وسيلة للكتابة فحسب، بل يعيد صياغته ضمن رؤية بصرية معاصرة، تتحول فيها الحروف إلى عناصر تشكيلية قائمة بذاتها، في هذا السياق، يتراجع البعد القرائي للنص، ليحل محله حضور بصري كثيف يزاوج بين الذاكرة والتشكيل الحديث.
وتتجلى هذه المقاربة في لوحة قدمها ضمن معرضه “من جدران الزنزانة” في المتحف الوطني بدمشق، حيث انتشرت فيها تكوينات خطية داخل فضاء لوني متدرج، منحت العمل إيقاعاً بصرياً واضحاً.
ولا يقف العمل عند حدود التجريب الشكلي، بل ينفتح على تجربة إنسانية عميقة، فاللوحة تستحضر معاناة السوريين عموماً، وتجربة الفنان الشخصية في الاعتقال داخل سجون النظام البائد، لتغدو مساحة تختزن الألم والذاكرة، ويصبح الحرف فيها شاهداً بصرياً على القمع والانكسار.
وفي قراءة للعمل، يرى الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الركوعي، الذي عانى بدوره تجربة الاعتقال، في تصريح لـ سانا، أن هذه التجربة تستدعي إرثاً من الكتابات المرتبطة بذاكرة السجن، بما تحمله من شحنة إنسانية عالية، تنعكس بوضوح في البناء البصري للعمل، حيث تتحول اللغة من وسيلة تعبير إلى مادة تشكيلية تُبنى عليها اللوحة.
الحرف ذاكرة بصرية تتجاوز المعنى
ويشير الركوعي إلى أن هذه المقاربة في اللوحة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ “التشكيل الخطي”، وهو اتجاه يستلهم التراث الإسلامي في الزخرفة والخط، لكنه يعيد تقديمه برؤية معاصرة، تجعل من الحرف عنصراً بصرياً متحرراً من وظيفته التقليدية.
كما يلفت إلى أن أعمال الهجر تعتمد على تدرجات لونية متداخلة، تخلق ما يشبه المدرج البصري، حيث تتمازج الخطوط مع الخلفية في حالة من الانسجام، ما يمنح اللوحة طابعاً تجريدياً واضحاً ويجعل قراءة النصوص غير مباشرة، دون أن يفقد العمل حضوره.
ويصف الركوعي تجربة الهجر بأنها حالة بصرية مشحونة بالدلالات، حيث توحي التدرجات اللونية الداكنة بإحساس الاختناق والعزلة، وتعكس تجربة إنسانية قاسية دون الوقوع في المباشرة، مبيناً أن هذه التجربة تندرج ضمن مسار أوسع في الفن العربي المعاصر، يسعى إلى إعادة قراءة الخط العربي خارج وظيفته التقليدية، وإدخاله في حوار مع التشكيل الحديث.
وتبرز خصوصية هذه اللوحة برأي الركوعي في قدرتها على تحقيق توازن بين الجذور التراثية والانفتاح على التجريب، عبر إعادة توظيف الماضي ضمن رؤية جديدة تجعل من الخط موضوعاً للرؤية، في تجربة تفتح المجال أمام تأويلات متعددة، وتؤكد قدرة الخط العربي على التجدد ومواكبة تحولات الفن المعاصر دون أن يفقد هويته.
صالح الهجر، فنان تشكيلي وخطاط سوري معاصر، عُرف باشتغاله على دمج الخط العربي مع الفن التشكيلي، في تجربة تسعى إلى توثيق الذاكرة الإنسانية والسياسية في سوريا، حيث يتحول الحرف في أعماله إلى وسيط بصري يحمل أثر التحولات العميقة التي شهدها المجتمع، ويعكس تداخل تجربته الشخصية مع الهمّ العام، ضمن صياغة فنية معاصرة.
