دمشق-سانا
على السندان، تتوالى ضربات المطرقة فوق النحاس الأحمر، بينما تلين النار المعدن ليأخذ تدريجياً شكل دلة القهوة، حتى تكتمل ملامحها بمهارة الحرفي ودقة يده، في مشهد يجسد خبرة توارثتها عائلة مزعل في دير الزور لأكثر من قرن، وحرفة لا تقتصر على الأدوات، بل تقوم على تفاصيل دقيقة وأسرار يتعلمها الحرفيون بالممارسة وينقلونها من جيل إلى آخر.
وتطرق زاوية نبض التراث في سانا ثقافة وفنون هذا الأسبوع باب صناعة الدِلة السورية، مستكشفةً خصوصية هذه الحرفة وتاريخها العائلي، وما حققته منتجاتها من حضور في الأسواق العربية والخارجية، وتكشف التجربة كيف يمكن لصناعة تقليدية أن تجمع بين المهارة اليدوية والقيمة الثقافية والإنتاج الاقتصادي، وما يتطلبه استمرارها من حماية لخبراتها وتوفير مقومات العمل والتسويق.
الدِلال النحاسية وأسرار الصنعة التقليدية

في مقال بعنوان دِلال مزعل، نشرته مجلة التراث الشعبي في عددها الـ38، يذكر الدكتور مناف الرفاعي، المحاضر في جامعة الفرات، أن صناعة هذه الدلال في دير الزور ارتبطت بالحرفي مزعل بن الحاج محمد الصالح النجم، المعروف باسم مزعل النحاس، الذي اكتسبت منتجاته شهرة داخل سوريا وخارجها.
وأوضح الرفاعي أن مزعل تميز بصناعة دلال القهوة من قطعة واحدة، تشمل جسم الدِلة مع بليولتها، خلافاً لدلال كانت تأتي من الموصل والأستانة وحلب وتصنع من قطعتين، ولم تقتصر مهارته على الدلال، إذ صنع أيضاً إبريق الوضوء والتغسيل مع صحنه الذي كان يقدم في الولائم، إلى جانب الشمعدان والقنديل النحاسي.
وتتطلب صناعة الدِلال وفق الرفاعي أدوات متخصصة تتناسب مع مراحل تشكيل النحاس، ومنها السنادين والجواكيك، وهي نوع من المطارق، والأريشة المستخدمة في جمع الدلال، إضافة إلى المناقش والأزاميل المخصصة للنقش والحفر والتزيين، واستخدم مزعل النحاس الأحمر في صناعة دلاله، مستنداً إلى خبرة يدوية مكّنته من تشكيل المعدن وإنجاز تفاصيل القطعة.
على النار تتشكل أسرار الدِلة

بحسب الرفاعي، كان تصنيع الدلة يتطلب عمليات متكررة من الجمع والتخمير على النار تصل إلى أربعين مرة، حتى يكتسب النحاس المرونة اللازمة للتشكيل، وتتوالى بعد ذلك مراحل العمل، من خصر الدلة وتشكيلها إلى سحقها وجليها بمواد خاصة لإزالة الشوائب، قبل طرقها في المرحلة الأخيرة.
أما غطاء الدلة فيتألف من قطعتين، هما القمع أو الغطاء الخارجي، والتببيسة الداخلية أو الصحن، وتوضح هذه المراحل حجم المهارة اللازمة لإنجاز القطعة، فيما يبين الحسين مزعل أن الأدوات تؤدي وظائف دقيقة في تحديد شكل الدلة وسماكتها، ومنها السندان والمطرقة والجاكوك والناي، وهو قالب معدني يستخدم لتشكيل المصب، مؤكداً أن الوصول إلى النتيجة المطلوبة يحتاج إلى ممارسة طويلة وأدوات تتناسب مع أسلوب العائلة في التصنيع.
ولم ترتبط شهرة دلال مزعل بطريقة صناعتها فحسب، بل باستمرار المهنة داخل الأسرة، ووفقاً للرفاعي، ورث ابنا مزعل، يوسف وإسماعيل، هذه الحرفة، إذ عاش يوسف أكثر من 100 عام، فيما عمل إسماعيل في المهنة لأكثر من 85 عاماً.
من دير الزور إلى متحف اللوفر
واستمر علي بن إسماعيل، في حمل هذا الإرث، فترك التدريس ليتفرغ للصناعة التي مارسها أكثر من ثلاثين عاماً، وكان له محل صغير في سوق الحدادين ضمن سوق الحميدي في دير الزور، فبقيت الخبرة تنتقل داخل العائلة بالممارسة المباشرة، بما يشمل معرفة الأدوات، وطرق تشكيل النحاس، والتفاصيل التي تمنح الدلال طابعها المميز.
تجاوزت دلال مزعل حدود الأسواق المحلية، إذ ذكر الرفاعي أن متحف اللوفر في فرنسا عرض طقماً منها يضم ستة مقاسات مختلفة، من بينها الكمكم الكبير، وهو أكبر قطع طقم دلال القهوة العربية.

ويمثل وصول هذه المنتجات إلى متحف عالمي جانباً من الحضور الخارجي الذي حققته الحرفة، بعد أن ارتبطت طويلاً بالورشات والأسواق ومجالس القهوة، كما يسلط الضوء على إمكان انتقال المنتجات اليدوية من وظيفتها اليومية إلى فضاءات العرض الثقافي، حيث تتيح مادتها وطريقة صنعها التعرف إلى مهارات الحرفيين والتقاليد التي نشأت في بيئتهم.
الحرفة بين الأصالة والتطوير
وفي حديث لـ سانا، يؤكد الحرفي الحسين علي مزعل، الذي يمارس المهنة بدمشق، أن اسم مزعل ارتبط بصناعة الدلال وإتقانها، وأن العائلة تحرص على الحفاظ على طرق تشكيل النحاس ونقشه، والتمسك بالتفاصيل التي تمنح منتجاتها خصوصيتها.
ويرى أن التطوير لا يعني التخلي عن الأساليب المتوارثة، بل الاستفادة من الوسائل الحديثة مع الحفاظ على الطريقة اليدوية التي تميز الصنعة، ويشمل ذلك تحسين أساليب عرض المنتجات وتسويقها، من دون التفريط بالتفاصيل الفنية التي تمنح الدلة قيمتها.
ويعدّ الحسين مزعل وجود طقم من دلال العائلة في متحف اللوفر الفرنسي مصدر فخر ومسؤولية، معتبراً أن عرض منتجات الحرفيين السوريين في متحف عالمي يتيح التعريف بخصوصية الصناعة التي توارثتها الأسرة.
رمزية الدِلة وتحديات انتقال الحرفة

ترتبط الدِلة، بحسب مزعل، بمجالس القهوة والضيافة العربية وما تحمله من معاني الكرم والتواصل الاجتماعي، وهو ما يمنحها دلالة تتجاوز وظيفتها كإناء لإعداد القهوة وتقديمها، حيث يرى أن حضور منتجات العائلة في الخارج يفتح مجالاً أوسع للتعريف بالحرفة وبما راكمه صناعها من خبرة عبر الأجيال.
وعن الصعوبات التي تواجه استمرار الحرفة، يوضح مزعل أن إتقان صناعة الدلال يحتاج إلى وقت طويل، ويعتمد على دقة اليد وقوة الملاحظة والصبر والإحساس بالمعدن، وهي مهارات لا تُكتسب خلال أيام أو أشهر قليلة، بل تتطور بالممارسة اليومية والتعلم المباشر.
ويشكل توجه كثير من الشباب إلى فرص عمل توفر دخلاً مستقراً خلال فترة قصيرة تحدياً إضافياً أمام الحرف اليدوية التي تتطلب جهداً وتدريباً متواصلاً قبل بلوغ مستوى الإتقان، وفي هذا الصدد يرى مزعل أن استمرار صناعة الدلال يرتبط بإتاحة الفرصة للشباب للتعرف إلى مراحلها والمشاركة فيها، وإدراك إمكاناتها المهنية، حتى لا تضيع المعرفة المتخصصة برحيل أصحاب الخبرة.
الحرفة بين السوق والدعم
وينظر مزعل إلى مستقبل الحرف اليدوية بتفاؤل حذر، في ظل الاهتمام بالمنتجات الأصيلة التي تحمل قصة وخصوصية، لكنه يشير إلى أن استمرار هذا الاهتمام يتطلب تحوله إلى طلب فعلي في الأسواق، ويؤكد أهمية توفير المواد الأولية بأسعار مناسبة، وحماية أسماء الحرفيين والعائلات التي ارتبطت بهذه الصناعات، بما يساعد على تعزيز فرص استمرارها.
من جهته، أكد مدير العلاقات العامة والإعلام في الاتحاد العام للحرفيين، الدكتور بشار نرش، أن الحفاظ على الحرف التقليدية لا يعني تجميدها، بل صون هويتها وضمان تطورها ومواكبتها لمتطلبات العصر، موضحاً أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في التصميم والتوثيق والتسويق، دون الاستغناء عن مهارة الحرفي الأساسية.

وأشار نرش إلى أن التوجهات الجديدة للاتحاد تتضمن إعادة هيكلة الجمعيات الحرفية وإنشاء مكتب مختص بالتدريب والتطوير، لنقل الخبرات من الجيل القديم إلى الشباب وحماية الحرف المهددة بالاندثار، كما شدد على أهمية التكامل بين الاتحاد ووزارتي الثقافة والسياحة في توثيق التراث والتعريف به، والعمل على تحديث التشريعات الناظمة للعمل الحرفي الصادرة عام 1969، وحماية أسماء العائلات الحرفية الشهيرة من الاستغلال.
بين الأصالة والتسويق
في الجانب التسويقي، لفت إلى أهمية مشاركة الحرفيين في المعارض، وتأهيلهم لاستخدام التسويق الإلكتروني، وإنشاء مناطق حرفية متخصصة ضمن المسارات السياحية، مثل سوق الحرف والصناعات التقليدية في دمر، بما يتيح للزوار مشاهدة الحرفي أثناء العمل وشراء المنتجات مباشرة.
وتضع تجربة دلال مزعل أمام الحرفيين والجهات المعنية مسؤولية مشتركة: الحفاظ على خصوصية الصنعة من جهة، وتوفير الظروف التي تسمح لها بالاستمرار كعمل إنتاجي من جهة أخرى، لتبقى المهارة اليدوية حاضرة في الورشات والأسواق، وقادرة على الوصول إلى جمهور جديد.
