أنقرة-سانا
من العمل في قطاع الإنشاءات بالتوازي مع الدراسة، إلى تطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية للطائرات المسيّرة، بنى المهندس السوري طلال البكور، المنحدر من محافظة حماة، مساره العلمي في تركيا، مستفيداً من تخصصه في هندسة الرياضيات وشغفه بالبرمجة.
وبالتعاون مع زميله المصري عبد الله أسامة، طالب السنة الرابعة في هندسة الـ “ميكاترونكس”، أسس فريق “فلك” لتطوير نظام يساعد الطائرات المسيّرة على تحليل الصور الجوية وتقدير موقعها وحركتها دون الاعتماد على إشارات الأقمار الصناعية.

وبعد أشهر من العمل على الخوارزميات وجمع البيانات واختبار النظام، تمكن الفريق من إحراز المركز الأول في مسابقة “الذكاء الاصطناعي في الطيران” ضمن مهرجان “تكنوفيست 2026” في تركيا بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، متقدماً على عشرات الفرق التي وصلت إلى المرحلة النهائية من المنافسة.
ولم يقتصر الإنجاز على النتيجة بل شكّل محطة في مسيرة علمية يسعى البكور من خلالها إلى توظيف معرفته في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة.
من العمل في الإنشاءات إلى هندسة الرياضيات
وصل البكور إلى تركيا مطلع عام 2018، وبدأ دراسته في المدارس السورية المؤقتة بمدينة إسطنبول، حيث أنهى المرحلة الثانوية عام 2019، وخلال تلك الفترة، كان يوازن بين الدراسة والعمل في قطاع الإنشاءات، واستمر على هذا النحو خلال التحضير لامتحان القبول الجامعي والسنة الأولى من دراسته الجامعية.
ولم يقتصر جهده على متابعة دراسته الأكاديمية، بل عمل أيضاً على تطوير لغته الإنكليزية، مستعيناً بوقت العمل لمراجعة المفردات والجمل التي كان يدوّنها على أوراق يصطحبها معه.
وقال البكور في حديثه لـ سانا: “كنت أصطحب أوراقاً معي إلى العمل عليها مصطلحات وجمل لغة إنجليزية لمراجعتها وحفظها في العمل”.
ومع حصوله على منحة من جمعية “همة” الشبابية في إسطنبول، تمكن من تغطية تكاليف دراسته ابتداءً من السنة الجامعية الثانية حتى التخرج، وبعد اجتياز مرحلة القبول الجامعي، التحق بجامعة “يلدز” التقنية، حيث درس هندسة الرياضيات وتخرج عام 2025.
وبدأ اهتمام البكور بالبرمجة والذكاء الاصطناعي خلال المرحلة الثانوية، فيما دفعه إدراكه للدور الذي تؤديه الرياضيات في بناء خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى اختيار تخصص يتيح له الجمع بين الرياضيات المتقدمة والبرمجة والنمذجة الرياضية، وتوظيفها في معالجة المشكلات الهندسية والتقنية.
فريق “فلك”.. تكامل بين الرياضيات والميكاترونكس
شكلت خلفية البكور الأكاديمية نقطة انطلاق لتأسيس فريق “فلك” مع زميله المصري عبد الله أسامة، الذي يدرس هندسة الميكاترونكس، وجمع المشروع بين تخصصين متكاملين، إذ ركز البكور على تصميم الخوارزميات وتطويرها واستخدامها لحل المشكلات الهندسية، فيما عمل أسامة على دمج هذه الحلول مع المكونات التقنية للنظام.
وأتاح هذا التعاون الانتقال من الجانب النظري للخوارزميات إلى تطوير نظام برمجي يعالج مشكلة تواجه الطائرات المسيّرة والأنظمة الجوية المستقلة، وهي قدرتها على فهم البيئة المحيطة وتقدير موقعها وحركتها عندما لا تتوفر بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
وتعتمد الطائرات المسيّرة في كثير من تطبيقاتها على إشارات تحديد المواقع لمعرفة مكانها وتوجيه حركتها، لكن انقطاع هذه الإشارات أو تعرضها للتشويش قد يحد من قدرتها على تحديد موقعها بدقة، ما يجعل تطوير وسائل بديلة لتقدير الحركة والموقع تحدياً تقنياً مهماً.
وركز فريق “فلك” على استخدام الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية لتحليل الصور التي تلتقطها الطائرة، واكتشاف الأجسام والعناصر الموجودة في المشهد، والاستفادة من التغيرات بين الصور المتتابعة لتقدير حركة الطائرة وموقعها.
وتزداد صعوبة هذه المهام عندما تكون الأهداف صغيرة أو بعيدة أو متحركة، أو عندما تتغير ظروف الإضاءة بين النهار والليل، لذلك احتاج تطوير النظام إلى الجمع بين خوارزميات اكتشاف الأجسام وتحليل المشاهد الجوية ووسائل تقدير الحركة، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد للمعلومات.
600 ألف صورة لتدريب النظام
بدأ الفريق تطوير النظام بدراسة متطلبات المسابقة وتقسيم المشروع إلى مهام، ثم البحث عن الخوارزميات المناسبة لكل منها، وفي جانب اكتشاف الأجسام وتحليل المشاهد الجوية، استخدم المهندسان تقنيات التعلم العميق والرؤية الحاسوبية، ودربا النموذج على قاعدة بيانات تضم نحو 600 ألف صورة لأهداف متنوعة، من بينها السيارات والعربات والأشخاص.
لكن توفير البيانات المناسبة شكل أحد أبرز التحديات، بسبب محدودية الصور الجوية التي يمكن استخدامها لتدريب النموذج على فهم المشاهد من منظور الطائرات المسيّرة.
وللتغلب على ذلك، استعان الفريق بطائرة مسيّرة خاصة به لجمع صور جوية إضافية في بيئات ومسارات مختلفة، كما عمل على استخدام مسارات طيران مصورة لاختبار قدرة الخوارزميات على تحليل الصور المتتابعة واكتشاف الأهداف المحددة وتقدير التغيرات في حركة الطائرة.
ولم يكن الهدف تدريب النموذج على التعرف إلى الأجسام فحسب، بل تطوير نظام قادر على الاستفادة من الصور المتعاقبة لتقدير حركة الطائرة، بما يشمل تغير ارتفاعها واتجاهها وانتقالها بين المواقع، حتى في غياب بياناتGPS .
وإلى جانب بناء الخوارزميات، تطلب المشروع إجراء اختبارات متكررة على البيانات المصورة، للتحقق من قدرة النظام على اكتشاف الأهداف وتحليل المسارات والتعامل مع المشاهد المختلفة، وكانت هذه التجارب ضرورية قبل الانتقال إلى مرحلة التقييم ضمن المسابقة.
صدارة على حساب 2918 فريقاً
جاءت مشاركة فريق “فلك” في مهرجان “تكنوفيست” ضمن مسابقة “الذكاء الاصطناعي في الطيران”، التي تقوم على تقديم حلول تقنية لتحدٍّ محدد، ومقارنة أداء الأنظمة التي تطورها الفرق المشاركة.
وبحسب البكور، بلغ عدد المتقدمين إلى المسابقة في مراحلها الأولى 2918 فريقاً، ووصل منهم 450 إلى مرحلة التقرير الأول، قبل أن يجتاز 250 فريقاً هذه المرحلة، ثم يصل 35 فريقاً إلى المرحلة النهائية.
واستمرت المرحلة النهائية ثلاثة أيام في مدينة ديار بكر التركية، بين 18 و20 أيلول 2026، وشهدت خلالها الفرق اختبارات متتابعة على النظام الذي طورته، قبل إعلان النتائج بعد عدة أيام ليتصدر فريق “فلك” المنافسة حاصلاً على المركز الأول.
وكانت طبيعة الاختبارات مختلفة عن تجربة طيران ينفذها الفريق بطائرته مباشرة، إذ اعتمدت على مسارات مصورة مسبقاً بواسطة طائرات مسيّرة، وقدمت اللجنة المنظمة للفريق مقاطع مصورة لمسارات حُجبت عنها بيانات GPS، إلى جانب أهداف حددتها مسبقاً، ليشغّل الفريق نظامه على هذه البيانات ويختبر قدرته على تحليل الصور وتقدير حركة الطائرة دون معرفة مسارها الحقيقي اعتماداً على إشارات الأقمار الصناعية.
ويوضح البكور أن النظام يتعامل مع الفيديو عبر تقسيمه إلى إطارات متتابعة، ثم تحليل كل إطار ومقارنته بالإطارات التي تليه، ومن خلال التغيرات التي تظهر بين الصور، يحاول النظام تقدير كيفية تحرك الطائرة، وما إذا كانت قد ارتفعت أو انخفضت أو تحركت إلى اليمين أو اليسار، اعتماداً على المعلومات البصرية المتاحة.
وخلال أيام الاختبارات، قدمت اللجنة للفريق أربعة مسارات مصورة، مسار في اليوم الأول، ومساران في اليوم الثاني، ومسار في اليوم الثالث، وكان على الفريق تشغيل النظام الذي طوره على كل مسار، ومتابعة مدى قدرته على تحليل الصور واستخلاص المعلومات المطلوبة، في ظل غياب بيانات تحديد المواقع.
أما الاختبارات التي أجراها الفريق خلال تطوير المشروع، فكانت تتم على الحاسوب المحمول، باستخدام مسارات مصورة وبيانات جمعها من مصادر مختلفة، مع تحديد أهداف لاختبار قدرة الخوارزميات على اكتشافها، وبذلك لم يكن ضرورياً تسيير الطائرة في كل تجربة؛ إذ أمكن اختبار البرنامج على الصور والفيديوهات المسجلة، وتقييم أدائه قبل المشاركة في المنافسة النهائية.
وبالنسبة إلى البكور، لم تكن النتيجة مجرد مكافأة على فكرة تقنية، بل حصيلة مراحل متتابعة من العمل بدأت باختيار الخوارزميات، ثم جمع البيانات وتدريب النموذج، وصولاً إلى تشغيل النظام على مسارات مصورة وتقييم قدرته على التعامل مع تحديات واقعية في مجال الطيران المستقل.
تكريم في شانلي أورفا بحضور الرئيس التركي
بعد إعلان فوز فريق “فلك” بالمركز الأول، جاءت محطة التكريم في مدينة شانلي أورفا التركية، خلال فعالية حضرها الرئيس التركي، وشكلت هذه المناسبة محطة بارزة في تجربة البكور وزميله أسامة، بعد مشاركتهما الأولى في المسابقة وتمكنهما من الوصول إلى المركز الأول.
ويعكس هذا الإنجاز مساراً بدأ من العمل على تطوير حل تقني لمشكلة محددة، ومرّ بمراحل من البحث والتجريب وتقييم الأداء، قبل أن يصل إلى المنافسة النهائية والتكريم، كما أتاح للفريق اختبار مشروعه ضمن بيئة تنافسية تضم فرقاً عملت على التحدي نفسه، وفق معايير موحدة.
نحو تطبيقات أوسع للذكاء الاصطناعي
يطمح البكور إلى مواصلة مسيرته العلمية والمهنية في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تطبيقاته في الأنظمة المستقلة والروبوتات والطيران، ويتطلع فريق “فلك” إلى توسيع نطاق عمله والتعاون مع الشركات التقنية والمؤسسات البحثية العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الجوية المستقلة.

ويرى البكور أن تجربته مع الفريق أتاحت له توظيف ما درسه في هندسة الرياضيات في معالجة مشكلة هندسية عملية، وأظهرت أهمية الجمع بين المعرفة النظرية والاختبارات التطبيقية، إلى جانب التعاون بين تخصصات مختلفة لإنجاز مشروع متكامل.
وفي رسالته إلى الشباب السوري، شدد على أن الوصول إلى المعرفة أصبح متاحاً على نطاق واسع، وقال: “إن العلم اليوم لم يعد حكراً على أحد، وبمجرد وجود جهاز حاسوب بسيط واتصال بالإنترنت، أصبح بإمكان الإنسان الوصول إلى قدر هائل من المعرفة والمصادر التعليمية التي كانت في الماضي حكراً على المؤسسات الكبرى فقط”.
ودعا البكور الشباب إلى عدم انتظار الظروف المثالية للبدء، بل العمل بما يتوفر لديهم من إمكانات ومواصلة التعلم والتطوير، معرباً عن أمله في أن يتمكن الشباب السوري من توظيف ما اكتسبوه من علم وخبرة للمساهمة في بناء سوريا وتطويرها.
ويُعد مهرجان “تكنوفيست” من أبرز الفعاليات التركية المتخصصة في التكنولوجيا والابتكار، ويجمع سنوياً فرقاً من الطلاب والمهندسين والباحثين للتنافس في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والطيران والأنظمة المستقلة والروبوتات.
ويهدف المهرجان إلى دعم تطوير التقنيات الحديثة وتشجيع تحويل الأفكار العلمية إلى حلول تطبيقية، من خلال مسابقات واختبارات تقيس أداء المشاريع المشاركة وقدرتها على معالجة تحديات تقنية واقعية.
ويأتي فوز فريق “فلك”، الذي أسسه المهندس البكور بالتعاون مع زميله المصري، بالمركز الأول في مسابقة “الذكاء الاصطناعي في الطيران” ضمن دورة عام 2026، في إطار تنامي توظيف الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية في تطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة الجوية المستقلة، ولا سيما التقنيات التي تتيح تقدير الموقع والحركة بالاعتماد على تحليل الصور، في الحالات التي تتعذر فيها الاستفادة من إشارات أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.