دمشق-سانا
تفتح عودة السوريين إلى البلاد مرحلة جديدة، لا تتعلق بعبور الحدود والوصول إلى مناطقهم فحسب، وإنما بقدرتهم على استعادة حياتهم وتأمين السكن وسبل العيش والخدمات الأساسية، بما يجعل دعم التعافي شرطاً رئيسياً لتحويل العودة إلى استقرار مستدام.
وفي هذا السياق، أوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في أحدث بياناتها عودة 1,717,964 سوريا إلى البلاد، منذ كانون الأول 2024 وحتى نيسان 2026، مشيرة إلى أن هذا الرقم يشمل فقط من تمكنت من التحقق من عودتهم أو رصدها، ولا يمثل بالضرورة العدد الإجمالي الفعلي للعائدين.
التعافي هو التحدي
وتشير المفوضية إلى أن رحلة العودة لا تنتهي بمجرد وصول الأسر إلى مناطقها، إذ تواجه الكثير من العائلات تحديات ترتبط بتأمين المسكن، واستعادة مصادر الدخل، والحصول على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وتسوية الوثائق والمسائل القانونية، والاستقرار في مجتمعاتها من جديد.
وتحمل هذه الاحتياجات إرثاً ثقيلاً خلفته سياسات النظام البائد، وما نتج عنها من تدمير للبنية التحتية واستنزاف للاقتصاد وتراجع في مستوى الخدمات.
وفي هذا السياق، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح خلال زيارته مطلع الشهر الجاري إلى سوريا أن حجم مهمة التعافي يتجاوز قدرة البلاد على إنجازها بمفردها، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك سريعاً وتحويل زخم العودة إلى دعم ملموس لسبل العيش والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
من العودة إلى الاستقرار
وتتضح طبيعة التحديات التي تواجه العائدين في بيانات المفوضية، إذ شكلت صعوبة الوصول إلى السكن أبرز عوائق العودة بنسبة 39 بالمئة، تلتها مشكلات البنية التحتية الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه، بنسبة 35 بالمئة، ونقص الموارد اللازمة للعودة بنسبة 34 بالمئة، إضافة إلى تحديات تتصل بالصحة والتعليم والوثائق.
ويؤكد الباحث المختص في شؤون اللاجئين والهجرة المقيم في ألمانيا بشير علي في تصريح لـ سانا، أهمية التمييز بين العودة والاستقرار، مشيراً إلى أن مجرد عبور اللاجئ الحدود لا يعني بالضرورة أن عودته أصبحت مستدامة.
ويشير إلى أن التحدي لا يكمن فقط في زيادة أعداد العائدين، وإنما في معالجة الأسباب التي قد تدفع من عاد إلى التفكير بالمغادرة مرة أخرى، معتبراً أن نجاح العودة ينبغي أن يقاس بقدرة العائدين على البقاء والاستقرار وعدم الاضطرار إلى الهجرة أو النزوح مجدداً.
وأظهر تقرير المفوضية أن 82 بالمئة من اللاجئين العائدين الذين شملهم الاستطلاع ينوون البقاء في مواقعهم الحالية داخل سوريا خلال الأشهر الستة التالية، بينما بقي 15 بالمئة منهم غير متأكدين.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود رغبة واضحة لدى العائدين في الاستقرار، وهو ما يراه الباحث علي مرتبطاً بقدرة سوريا على معالجة الظروف التي تواجههم، وفي مقدمتها السكن والخدمات وفرص العمل والبنية التحتية.
أوروبا.. كلفة مستمرة للهجرة
في المقابل، تنفق أوروبا موارد ضخمة على إدارة ملف الهجرة واللجوء والحدود، فيما يستعد الاتحاد الأوروبي لزيادة كبيرة في التمويل المخصص لهذه الملفات ضمن موازنته المقبلة.
وبحسب مقترح المفوضية الأوروبية للإطار المالي للفترة 2028-2034، ستصل مخصصات الشؤون الداخلية المرتبطة بالهجرة وإدارة الحدود والأمن إلى نحو 81 مليار يورو، منها 12 ملياراً للهجرة، إضافة إلى 15.4 ملياراً لإدارة الحدود و11.9 ملياراً لوكالة فرونتكس، وهي الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل.
ولا تمثل هذه الأموال تكلفة مباشرة لاستضافة اللاجئين وحدهم، إذ تشمل إدارة الحدود والأمن ومكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تعكس في الوقت ذاته حجم الموارد التي تخصصها أوروبا للتعامل مع ملف الهجرة.
ألمانيا.. كلفة اللجوء
وتبرز ألمانيا حجم هذه الأعباء بوضوح، ففي الموازنة الاتحادية لعام 2025، رصدت برلين نحو 24 مليار يورو لنفقات مرتبطة باللاجئين، بينها 13 ملياراً للمساعدات الاجتماعية للحاصلين على الحماية، ونحو 1.9 مليار يورو لخدمات الاندماج.
ولا يقتصر هذا الإنفاق على اللاجئين السوريين وحدهم، لكنه يعكس حجم الموارد التي تخصصها إحدى أبرز الدول الأوروبية المستقبلة للاجئين لإدارة تداعيات اللجوء.
وتوضح هذه الأرقام أن خفض أعباء اللجوء لا يرتبط بإدارة الملف داخل أوروبا فقط، بل يبدأ أيضاً بمعالجة الظروف التي تعيق الاستقرار والعودة في بلد المنشأ.
الاستثمار في الأسباب لا النتائج
يمكن للدعم الغربي لتعافي سوريا أن يتجاوز مفهوم المساعدة الإنسانية التقليدية، ليتحول إلى استثمار يخدم مصالح الدول المانحة نفسها، فتمويل مشاريع الكهرباء والمياه والصحة والتعليم وإعادة تأهيل المساكن، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة وفرص العمل، يسهم في توفير مقومات الاستقرار للعائدين، ويحد من الصعوبات الاقتصادية والخدمية التي قد تعرقل استقرارهم في البلاد.
ويرى الباحث المختص في شؤون اللاجئين والهجرة أن تشجيع العودة المستدامة يتطلب ربطها بالتنمية، عبر دعم المشاريع الصغيرة للعائدين، وخلق فرص العمل، وتمويل التدريب المهني، وتشجيع الشركات والاستثمارات الأوروبية في القطاعات التي تحتاجها سوريا.
كما يشير الباحث علي إلى أن استمرار الاستثمار الأوروبي في تعليم السوريين وتأهيلهم، سواء لمن سيبقى في أوروبا أو لمن سيعود مستقبلاً، يمكن أن يعزز قدرتهم على إعالة أنفسهم والمساهمة في إعادة إعمار سوريا.
ويلفت إلى أن الانتقال التدريجي من المساعدات التقليدية إلى الاستثمار في التعافي وفرص العمل والتأهيل يمكن أن يحقق مصلحة مشتركة لسوريا والعائدين والدول الأوروبية.
ويبين أن هذا التوجه يتقاطع مع التحسن الذي تشهده العلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي الذي أعلن تقديم دعم مالي لدمشق بقيمة 620 مليون يورو (720 مليون دولار) للعامين الحالي والمقبل.
وتتفق هذه الرؤية مع ما يطرحه المستشار الخاص للهجرة واللجوء في النمسا نمر نمر الذي يرى أن المساعدات النقدية المؤقتة للعائدين لا تكفي وحدها لتأسيس حياة مستدامة، داعياً إلى توجيه الدعم الأوروبي نحو مشاريع إنتاجية تؤمن سبل عيش دائمة للعائدين.
فرصة لا ينبغي إضاعتها
تضع عودة نحو 1.72 مليون سوري المجتمع الدولي أمام فرصة لتحويل زخم العودة إلى استقرار دائم، عبر تمويل يتناسب مع احتياجات مرحلة التعافي.
ووفق الباحث علي، فإن دعم تعافي سوريا يمكن أن يمثل استثماراً يخدم الدول الغربية أيضاً، من خلال المساهمة في تسريع العودة وتقليص كلفة وتداعيات أزمة اللجوء، وهذا لا يختصر الطريق أمام عودة اللاجئين فحسب، بل يفتح أمام الدول الغربية طريقاً لتقليص كلفة أزمة اللجوء من جذورها.