لاهاي-سانا
طلبت النيابة العامة الهولندية اليوم الأربعاء، فرض أقصى عقوبة على القيادي السابق في ميليشيا الدفاع الوطني رفيق القطريب، وذلك في ختام مرافعتها أمام محكمة لاهاي في قضية تتعلق بارتكاب جرائم بحق مدنيين في سوريا، مطالبة بالحكم عليه بالسجن لمدة 30 عاماً.
وتركزت الجلسة على استعراض مجمل الوقائع التي بُنيت عليها القضية، في إطار تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة خارج الدول التي ارتُكبت فيها، ما يمنح المحاكمة بعداً قانونياً يتجاوز السياق الوطني الهولندي.
شهادات ضحايا ومواد مصوّرة داخل المحكمة

وخلال الجلسة، قدمت النيابة العامة إفادات ضحايا وشهود، وعرضت تقريراً مصوراً يتضمن مقابلات مع سوريين داخل سوريا حول آرائهم بمحاكمة مرتكبي الجرائم، إلى جانب استخدام وسائل بصرية ورسوم توضيحية لإعادة عرض بعض الوقائع والأدلة.
وأشارت النيابة إلى وجود تسعة مدّعين، وتوثيق ست وقائع مرتبطة بالعنف الجنسي، معتبرةً أن الأفعال المرتكبة جاءت ضمن سياسة قمع ممنهجة في مراكز الاحتجاز، وأن المتهم القطريب كان أداة مباشرة في تنفيذها.
وبيّنت النيابة أن معظم الضحايا تعرّضوا للاعتقال بشكل مفاجئ ومن دون إجراءات قانونية، وأن شهاداتهم وصفت القطريب بأنه مارس التعذيب بشكل مباشر، وأصدر أوامر به، وكان يشغل دوراً قيادياً ضمن مجموعات مرتبطة بالنظام في مدينة سلمية.
واستندت النيابة في مرافعتها، إلى جانب شهادات الضحايا، إلى مواد مصورة من مواقع احتجاز تعرّض فيها الضحايا للتعذيب على يد عناصر من “الدفاع الوطني”، من بينها موقع يُعرف بـ”مزرعة الكويتي”.
ولفتت إلى أن آثار تلك الأفعال لا تزال مستمرة، ولا سيما لدى النساء، مشيرةً إلى أن تبعات العنف الجنسي في السياق السوري تتفاقم بسبب الوصمة الاجتماعية، وأن المتهم ارتكب أفعاله وهو مدرك لهذه الحساسية.
لا ظروف مخففة.. وخطر تكرار السلوك الإجرامي قائم

كما أكدت النيابة أن المتهم لا يعاني من اضطرابات نفسية تؤثر على مسؤوليته الجنائية، وأنه اتخذ خلال المحاكمة سلوكاً دفاعياً قائماً على السخرية من الضحايا وتوجيه اتهامات شخصية لهم، بما يعكس عدم احترامه لهم، وفق ما طُرح في الجلسة.
وأضافت النيابة: إنه لا توجد ظروف مخففة للعقوبة، مستندة إلى تقارير خبراء رجّحت وجود خطر من تكرار السلوك الإجرامي، مع الإشارة إلى حوادث وسلوكيات منسوبة للمتهم قبل وأثناء الاحتجاز.
وطالبت النيابة المحكمة بالاستجابة لمطالب المتضررين، ومنحهم تعويضات مالية، بالنظر إلى خطورة الأفعال المنسوبة إلى القطريب، من التعذيب إلى العنف الجنسي والاغتصاب، مؤكدة أنها تُعدّ جرائم ضد الإنسانية وفق قانون الجرائم الدولية.
المدعية العامة: سابقة تاريخية في القضاء الهولندي
وفي تصريح لمراسل سانا، قالت المدعية العامة ميريام بلوم: إن القضية “تُعدّ سابقة تاريخية، كونها المرة الأولى التي تُعرض فيها جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي كجرائم ضد الإنسانية أمام محكمة هولندية”.
وأضافت بلوم: إن سقوط النظام خلال فترة التحقيق شجّع الشهود على الإدلاء بشهاداتهم بالاسم بعد زوال مخاوفهم على أقاربهم في سوريا، ما أثر إيجاباً على الأدلة المقدمة.
كما أوضحت أن عدداً من الناجين أدلوا بشهاداتهم مباشرة أمام المحكمة، ووصفت تلك الشهادات بأنها “مؤثرة للغاية”، مشيرة إلى أن العمل على هذا النوع من القضايا يمثل “شرفاً ومسؤولية”، وأن رفع المزيد من القضايا المشابهة يشكل تطوراً مهماً.
المحاكمة تمثل إدانة لمرحلة كاملة من القمع
وفي السياق ذاته، قال الشاهد عمار أمين: إن هذه المحاكمة تمثل بالنسبة له “محاكمة لحقبة كاملة من الديكتاتورية وكبت الحريات”، معتبراً أنها تسلط الضوء على مرحلة مظلمة من تاريخ سوريا.
وأكد أمين أنه فنّد ادعاءات القطريب أمام النيابة مستنداً إلى أدلة ووقائع، وإلى معرفته السابقة به ودوره في ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة سلمية.
وأوضح أمين أنه ضابط سابق في الجيش السوري، وأن هذه الخلفية ساعدت في توضيح التراتبية العسكرية والتفاصيل المهمة للقضاء الهولندي، لافتاً إلى أنه كان معتقلاً سابقاً، كما حاول القطريب اعتقاله دون أن ينجح، فاعتقل ابن عمه الذي يحمل الاسم نفسه.
وبحسب ما عُرض خلال الجلسة، بدأ مسار التحقيق بعد بلاغ ورد في تشرين الثاني 2021 حول رجل مقيم في هولندا يُشتبه بضلوعه في ارتكاب جرائم في سوريا، استناداً إلى ثلاث شهادات شكّلت نواة القضية.
ويتيح القانون الهولندي بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، ملاحقة الأجانب بشأن جرائم ارتُكبت خارج البلاد في حال وجود الجناة أو بعض الضحايا داخل الأراضي الهولندية.