ريف دمشق-سانا
تُعدّ الوردة الشامية من أبرز رموز التراث الزراعي السوري، لما تحمله من قيمة تاريخية واقتصادية وثقافية، واشتهرت بعطرها الفريد واستخداماتها المتعددة في الصناعات الغذائية والطبية والتجميلية، إلى جانب ما تمثله من مصدر دخل مهم للعديد من الأسر العاملة في زراعتها وإنتاج مشتقاتها.

وتنتشر زراعة الوردة الشامية بشكل أساسي في ريف دمشق، حيث يتحول موسم القطاف إلى مناسبة تراثية واجتماعية يشارك فيها أهالي البلدة والمزارعون، بالتزامن مع عمليات تقطير الورود واستخراج الزيوت العطرية وماء الورد، إضافة إلى إنتاج الشراب والمربيات والمنتجات التجميلية والعلاجية المرتبطة بهذا المحصول التراثي.
مساحات واسعة
وأكد رئيس دائرة زراعة النبك أيمن طباني، في تصريح لـ سانا، أن مدينة النبك تُعرف بزراعة الوردة الشامية، والمعروفة أيضاً باسم الوردة الدمشقية، ولا سيما في بلدة المراح التي تُعد من أبرز مناطق انتشارها، حيث تُزرع على مساحات واسعة تعتمد بمعظمها على الزراعة البعلية، إضافة إلى وجود هكتارين مرويين في النبك وهكتار آخر في قارة.

ولفت طباني إلى أن مديرية الزراعة ودائرة زراعة النبك تعملان على دعم المزارعين في مناطق انتشار الوردة الشامية، من خلال تقديم الشتول وتأمين صهاريج الري والمساعدة في توفير مصادر المياه اللازمة للسقاية، بهدف الحفاظ على استمرارية هذا المحصول التراثي وتعزيز إنتاجه.
وبيّن طباني أن الدعم يشمل أيضاً توفير آليات لاستصلاح الأراضي، وتنفيذ برامج إرشادية لمساعدة الفلاحين في زراعة الوردة الشامية والعناية بها، إضافة إلى إنشاء حقل تجريبي وآخر إرشادي في بلدة المراح منذ نحو ثلاث سنوات، مع خطط لتطويرهما خلال المرحلة المقبلة، بما يسهم في تحسين جودة الإنتاج وتوسيع المساحات المزروعة.
من الغرس إلى القطاف

من جانبه، أشار صاحب أحد الحقول ياسر رشيد إلى أن زراعة الوردة الشامية تمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ باختيار “الفسائل” من النباتات الأم المعمّرة، ثم غرسها في الأراضي المناسبة، حيث تبدأ الشتول بالنمو التدريجي خلال الأشهر الأولى، لتدخل لاحقاً مرحلة التفرع وتكوين الشجيرات التي تحتاج إلى عناية مستمرة تشمل التقليم وتنظيف التربة ومكافحة الآفات، بما يضمن نمواً سليماً للنبات وجودة عالية للإنتاج.
وأوضح رشيد أنه مع حلول فصل الربيع تبدأ مرحلة الإزهار، حيث تتفتح براعم الوردة الشامية تدريجياً لتصل إلى ذروة الإنتاج خلال موسم القطاف الممتد عادة من أيار حتى حزيران. وتُعد هذه المرحلة من أدق مراحل الزراعة، إذ تُقطف الأزهار يدوياً في ساعات الصباح الباكر للحفاظ على زيوتها العطرية وجودتها العالية، قبل نقلها مباشرة إلى عمليات التقطير أو التجفيف لإنتاج ماء الورد والزهورات والمشتقات المختلفة.

وأضاف رشيد: إن الدورة الزراعية تختتم بمرحلة المعالجة والتصنيع، حيث تتحول الأزهار إلى منتجات متعددة الاستخدامات تشمل ماء الورد والشراب والمربيات ومنتجات التجميل، ما يعكس القيمة الاقتصادية والثقافية للوردة الشامية بوصفها أحد أبرز مكونات التراث الزراعي السوري.
تحديات زراعة الوردة الشامية
بدوره لفت المزارع محمد منصور إلى أن مزارعي الوردة الشامية واجهوا خلال السنوات الماضية العديد من التحديات، كان أبرزها حالات الجفاف وتراجع معدلات الهطولات المطرية، ما أثر سلباً على إنتاج الوردة الشامية وتوسع زراعتها، ولا سيما أن معظم المساحات المزروعة تعتمد على الزراعة البعلية.

وأشار منصور إلى أن ضعف التسويق محلياً وعالمياً، واحتكار بعض المنتجين والتجار لعمليات التصنيع والتسويق، شكّل أيضاً تحدياً إضافياً أمام المزارعين، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين مستلزمات الزراعة والري.
موسم مبشر
من جهته، أكد المزارع منصور عباس، أحد مزارعي الورد الشامي في بلدة المراح، أن الموسم الحالي يُعد من أفضل المواسم الزراعية خلال السنوات الأخيرة، بفضل الهطولات المطرية الوفيرة وتحسن المنسوب المائي بعد سنوات متتالية من الجفاف التي أثرت سلباً على إنتاج الوردة الشامية وأدت إلى تراجع انتشارها في المنطقة.
وأوضح عباس أن تأخر دخول فصل الربيع، إضافة إلى الرياح والعواصف الغبارية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، أسهما في تأخر موسم القطاف لهذا العام، مبيناً أن المزارعين يكونون عادةً في ذروة القطاف مع نهاية شهر أيار، إلا أن الموسم الحالي لا يزال في مراحله الأولى، وسط مؤشرات مبشرة بإنتاج جيد ونوعية مميزة من الزيت العطري الذي تشتهر به الوردة الشامية.
الاستفادة من الوردة الشامية
وأشار عباس إلى أن المزارعين عملوا خلال السنوات الأخيرة على تطوير أساليب الاستفادة من الوردة الشامية، فلم تعد تقتصر على بيع الزهور المجففة، بل توسعت لتشمل إنتاج الكريمات والشامبو والزيوت العطرية ومنتجات تجميلية متعددة، ما أسهم في زيادة القيمة الاقتصادية لهذا المحصول التراثي وفتح مجالات جديدة للاستفادة منه.
يشار إلى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” أعلنت في كانون الأول من عام 2019، إدراج عنصر الوردة الشامية وما يرتبط بها من الممارسات والحرف التراثية ضمن قائمة التراث الإنساني اللامادي في المنظمة، خلال الاجتماع الرابع عشر للجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي اللامادي المنعقد في العاصمة الكولومبية بوغوتا.