عواصم-سانا
تشير تقديرات أممية ودولية إلى أن البنية التحتية الرقمية العالمية، وفي مقدمتها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، قد تستهلك خلال السنوات القليلة المقبلة كميات من الكهرباء تعادل استهلاك دول صناعية كاملة، إضافة إلى طلب متزايد على المياه المستخدمة في أنظمة التبريد، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تداعيات هذا النمو على البيئة والمناخ.
وتشهد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم توسعاً متسارعاً بالتوازي مع النمو الكبير في استخدام التطبيقات والخدمات الرقمية، ما يفتح نقاشاً متزايداً حول الأثر البيئي لهذه البنى التحتية من حيث استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات الكربونية.
وفي ظل موجات الحر التي تشهدها مناطق واسعة من العالم وخاصة أوروبا هذه الأيام، تتزايد التحذيرات من التحديات البيئية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، ولا سيما مراكز البيانات التي تشكل العمود الفقري لتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
تحذيرات من ارتفاع الطلب على الطاقة
تشير بيانات صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، ومقرها باريس إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء من مراكز البيانات يشهد نمواً متسارعاً، ومن المتوقع أن يتضاعف خلال السنوات المقبلة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
ويحذر التقرير من أن هذا النمو قد يضيف ضغوطاً إضافية على شبكات الطاقة، وخصوصاً في الدول التي تعتمد على مصادر تقليدية في توليد الكهرباء، ما ينعكس على مستويات الانبعاثات الكربونية عالمياً.
المياه والتبريد.. تحد متصاعد
وفي السياق ذاته، حذرت تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة من الارتفاع الكبير في استهلاك المياه الناتج عن أنظمة تبريد مراكز البيانات.
وتشير هذه التقارير إلى أن التوسع في البنية الرقمية قد يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه خلال عمليات التبريد، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية عالمياً، بفعل التغير المناخي والجفاف في عدد من المناطق.
تأثيرات حرارية موضعية
كما أظهرت أبحاث أكاديمية صادرة عن جامعتي كامبريدج في بريطانيا ونانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن مراكز البيانات قد تسبب ارتفاعاً موضعياً في درجات حرارة سطح الأرض في المناطق المحيطة بها، في ظاهرة تعرف باسم “الجزر الحرارية الرقمية”.
وبحسب الدراسة، فإن الارتفاع في درجات الحرارة قد يتراوح بين أجزاء من الدرجة وصولاً إلى عدة درجات مئوية، تبعاً لحجم المركز وكثافة تشغيله.
بيانات فضائية تدعم مؤشرات التغير
وفي السياق نفسه، تشير بيانات صادرة عن وكالة الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية “ناسا”، أن صور الأقمار الصناعية توضح رصد تغيرات حرارية في بعض المناطق الصناعية المرتبطة بالبنى الرقمية، ما يعزز النقاش العلمي حول الأثر البيئي المباشر وغير المباشر لهذه المراكز.وفي السياق نفسه، تشير بيانات صادرة عن وكالة الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية “ناسا”، أن صور الأقمار الصناعية توضح رصد تغيرات حرارية في بعض المناطق الصناعية المرتبطة بالبنى الرقمية، ما يعزز النقاش العلمي حول الأثر البيئي المباشر وغير المباشر لهذه المراكز.
توسع عالمي يرفع المخاوف البيئية
وإضافة إلى ذلك، تشير تقديرات صادرة عن تقارير بيئية دولية إلى أن التوسع في بناء مراكز البيانات حول العالم يتسارع بوتيرة كبيرة، وخصوصاً في الدول التي تتبنى استراتيجيات للتحول الرقمي، ما يثير تساؤلات حول قدرة البنية التحتية البيئية على مواكبة هذا النمو.
كما تحذر منظمات بيئية من أن هذا التوسع قد يضيف ضغوطاً إضافية على النظم البيئية، في ظل تزايد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
دعوات أممية للحد من الأثر البيئي
وفي هذا السياق، يدعو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تعزيز شفافية شركات التكنولوجيا بشأن استهلاك الطاقة والمياه، والعمل على توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في تشغيل مراكز البيانات.
ويشدد غوتيريش على أن التحول الرقمي يجب أن يتم ضمن إطار يراعي الاستدامة البيئية، ويحد من الأعباء على الموارد الطبيعية.
بين التطور الرقمي والاستدامة
تقدر تقارير تقنية حديثة أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي يستهلك كميات متزايدة من الطاقة مقارنة بالبحث التقليدي على الإنترنت، كما توضح تقديرات صادرة عن شركات تكنولوجيا كبرى أن مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي تعمل على مدار الساعة لمعالجة مليارات الطلبات يومياً، ما يؤدي إلى استهلاك مستمر للطاقة الكهربائية، إضافة إلى استخدام المياه في أنظمة التبريد، وخاصة في المراكز الضخمة التي تضم آلاف الخوادم.
وبينما تتسارع خطط التوسع في بناء مراكز بيانات جديدة حول العالم، يبقى التحدي الأساسي في إيجاد توازن بين متطلبات الثورة الرقمية والحفاظ على الموارد الطبيعية، في ظل تنامي التحذيرات من تداعيات بيئية قد تتسع خلال السنوات المقبلة.