عواصم-سانا
في ظل التحولات المتسارعة في أنماط الحياة والغذاء حول العالم، تتزايد التساؤلات حول تأثير الأطعمة فائقة المعالجة على صحة الإنسان، ولا سيما مع اتساع حضورها في الوجبات اليومية.
وتسلط دراسات حديثة الضوء على ارتباط هذا النمط الغذائي بارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، ما يطرح تحديات متزايدة أمام الأفراد والأنظمة الصحية للبحث عن توازن غذائي يحافظ على الصحة دون التخلي عن متطلبات الحياة العصرية.
وبحسب دراسة نُشرت في مجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب، أوردها موقع The Independent، فإن تناول حصة إضافية يومية من الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 5 بالمئة، مع تأكيد الباحثين وجود علاقة طردية بين مستوى الاستهلاك وارتفاع المخاطر الصحية.
ما المقصود بالأطعمة فائقة المعالجة؟
تُعرّف الأطعمة فائقة المعالجة بأنها منتجات خضعت لتعديلات صناعية واسعة، وتحتوي غالباً على مكونات غير مستخدمة في الطهي المنزلي، إضافة إلى نسب مرتفعة من السكر والصوديوم والدهون غير الصحية، مقابل انخفاض محتواها من العناصر الغذائية الأساسية مثل الألياف والفيتامينات.
ويصنّف نظام “نوفا” (NOVA)، وهو تصنيف علمي يُستخدم في مجال التغذية لتقسيم الأطعمة بحسب درجة معالجتها الصناعية، وليس فقط قيمتها الغذائية، الغذاء إلى أربع فئات رئيسية، وذلك وفق ما توضحه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ومنظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO)، وتبدأ بالأطعمة غير المعالجة مثل الفواكه والخضراوات والحبوب، مروراً بالمكونات الغذائية المعالجة كالزيوت والسكر، ثم الأطعمة المعالجة مثل المعلبات والمكسرات المملحة، وصولاً إلى الأطعمة فائقة المعالجة مثل المعجنات الجاهزة وحبوب الإفطار والبيتزا المجمدة.
ويُظهر هذا التصنيف أن الأغذية تقع على طيف واسع من حيث المعالجة، حيث تختلف قيمتها الغذائية وتأثيرها الصحي، حتى بين المنتجات التي تبدو متشابهة في الشكل أو الطعم.
حدود الاستهلاك والتوازن الغذائي
تشير التوصيات الغذائية الصحية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) عبر موقعها الرسمي ومؤسسات بحثية متخصصة، منها كلية هارفارد للصحة العامة، إلى أنه لا يوجد حدّ آمن دقيق لاستهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، إلا أن تقليلها تدريجياً يرتبط بانخفاض المخاطر الصحية، مع ضرورة التركيز على الأغذية الطبيعية في الوجبات اليومية.
وتنصح الإرشادات بالحد من استهلاك اللحوم المصنعة والمشروبات السكرية بشكل خاص، نظراً لارتباطها القوي بزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، في حين يمكن لبعض البدائل النباتية المعالجة أن تقدم خيارات صحية أفضل نسبياً في بعض الحالات.
انعكاسات صحية متزايدة
تشير بيانات صحية حديثة، وفق دراسات منشورة في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) وتقارير للمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، إلى أن أكثر من نصف السعرات الحرارية اليومية في بعض الدول المتقدمة تأتي من الأطعمة فائقة المعالجة، ما يعكس تحولاً واسعاً في أنماط التغذية العالمية.
كما تربط هذه الدراسات بين هذا النمط الغذائي وارتفاع معدلات السمنة وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان، في ظل تنامي الاعتماد على الأغذية الجاهزة والسريعة.
توجهات غذائية عالمية
يرى خبراء التغذية أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة بدول بعينها، بل أصبحت عالمية مع انتشار النمط الغذائي الغربي، ما يستدعي تعزيز الوعي الغذائي وتشجيع العودة إلى الأغذية الطبيعية كخيار أساسي للحفاظ على الصحة العامة.
وتؤكد هذه المعطيات أهمية إعادة النظر في الأنماط الغذائية اليومية، عبر تقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة وتعزيز استهلاك الأغذية الطبيعية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية، وتحسين جودة الحياة على المدى الطويل.