دمشق-سانا
تشهد محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق خلال شهر تموز المقبل سلسلة جلسات المحاكمات العلنية لعدد من أبرز المتهمين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد، ضمن مسار العدالة الانتقالية الهادف إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المتورطين وفق الأصول القانونية النافذة، واستناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري لعام 2025 والمواثيق الدولية.
عبد الناصر البراقي.. الجلسة الثالثة في الـ 13 من تموز لاستكمال الإجراءات
وستعقد المحكمة في الـ 13 من تموز الجلسة الثالثة في محاكمة المتهم عبد الناصر البراقي بن منصور، وذلك بعد قرار محكمة الجنايات الأولى بدمشق إحالة الدعوى إليها، لارتباطها بانتهاكات جسيمة تدخل ضمن اختصاصها، وتتعلق التهم المنسوبة إلى المتهم بقيامه بالإخبار عن عدد من المواطنين وكتابة تقارير بحقهم، ما أدى إلى اعتقالهم وإخفائهم وتجهيل مصير عدد منهم حتى اليوم، إضافة إلى تهمة “الافتراء الجنائي المفضي إلى موت أكثر من شخص والتدخل بالسلب بالعنف”، وفق ما ورد في ملف الدعوى.
وكانت الجلسة الأولى التي عقدت في الـ 15 من حزيران، شهدت الاستماع إلى المدعين الشخصيين وشهود الحق العام، حيث أنكر المتهم جميع التهم المسندة إليه، وقدمت النيابة العامة مطالباتها أمام المحكمة، قبل أن تقرر تأجيل الجلسة لاستكمال الإجراءات القضائية.
وفي الجلسة الثانية، المنعقدة في الـ 23 من حزيران، واصلت المحكمة النظر في الدعوى، مؤكدة أن الإجراءات تسير وفق الأنظمة والقوانين النافذة بما يكفل حق الدفاع ويضمن شفافية المسار القضائي.
ومن المقرر أن تستكمل المحكمة في الجلسة الثالثة، التي تعقد بشكل مغلق، الاستماع إلى شهود الحق العام والمدعين الشخصيين، مع استمرار النيابة بتقديم مرافعاتها وأدلتها تمهيداً للفصل في الدعوى.
عاطف نجيب.. الجلسة الخامسة في الـ 14 من تموز لاستكمال سماع الشهود

كما ستعقد المحكمة في الـ 14 من تموز جلستها الخامسة في محاكمة عاطف نجيب، ابن خالة رأس النظام البائد المجرم بشار الأسد، والذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، ويتحمل مسؤولية مباشرة عن الحملات القمعية والاعتقالات التي شهدتها المحافظة منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، وعلى رأسها حادثة اعتقال أطفال درعا في آذار من العام نفسه، والتي شكلت شرارة الاحتجاجات.
ويواجه نجيب تهماً عدة، أبرزها تحمله مسؤوليات قيادية مباشرة ومشتركة عن أفعال منهجية استهدفت المدنيين في درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، والمشاركة في قمع الاحتجاجات السلمية بالرصاص الحي والقوة المفرطة، والمسؤولية المباشرة عن “مجزرة المسجد العمري”، إلى جانب اتهامات بالقتل الجماعي الممنهج وتعذيب معتقلين أفضى إلى الموت داخل مراكز الاحتجاز، والاشتراك مع قيادات أمنية وعسكرية وسياسية ضمن بنية هرمية منظمة.
وانطلقت محاكمة نجيب في الـ 26 من نيسان الماضي كأولى المحاكمات العلنية لرموز النظام البائد، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، وعدد من ذوي الضحايا من درعا، ومجموعة من المحامين العرب والدوليين، وممثلي وسائل الإعلام.
وشهدت الجلسة الثانية في الـ 10 من أيار الماضي استجواب المتهم، إلى جانب مطالعة النيابة العامة التي اعتبرت أن الأفعال المنسوبة إليه ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولا تخضع للتقادم أو العفو، وقررت المحكمة تثبيت غياب المتهمين الفارين وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد، والسير بالمحاكمة بحقهم غيابياً وتجريدهم من الحقوق المدنية، ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة.
أما الجلسة الثالثة في الـ 19 من أيار، فكانت مغلقة بشكل كامل نظراً لما تضمنته من مرافعات وأسئلة ووثائق وأسماء شهود محميين ومعلومات سرية، حيث تم عرض صور وفيديوهات للضحايا، وخصصت لاستكمال إجراءات الادعاء والدفاع.
وفي الجلسة الرابعة، التي عقدت في الـ 23 من حزيران، استمعت المحكمة إلى شهادات ثلاثة عشر شاهداً من شهود الحق العام، بينهم الشاهد السري (01)، وتضمنت وقائع انتهاكات جسيمة شملت الاعتقال التعسفي والقتل خارج القانون والتعذيب الممنهج بأشكاله المختلفة، بما في ذلك انتهاكات جسدية وجنسية أثناء الاحتجاز في أحد الأفرع الأمنية بدرعا، بينما أنكر المتهم ما ورد في تلك الشهادات.
ومن المقرر أن تستكمل المحكمة في الجلسة القادمة سماع شهود الحق العام، مع احتمال الانتقال إلى مرحلة المرافعات الختامية تمهيداً لإصدار الحكم في القضية التي تعد من أبرز قضايا العدالة الانتقالية.
وسيم الأسد.. الجلسة الثانية في الـ 15 من تموز لمتابعة الأدلة والوثائق

وفي الـ 15 من تموز، ستعقد المحكمة جلستها الثانية في محاكمة المتهم وسيم الأسد، المتورط بجرائم عدة بحق الشعب السوري، وتشمل لائحة الاتهام إدارة وتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية بتكليف من العميد “غياث دلا” قائد لواء في الفرقة الرابعة التابعة للنظام البائد بقيادة “ماهر الأسد”، شاركت في عمليات عسكرية واسعة استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، ولا سيما بلدة المليحة، وأسفرت عن مقتل عدد كبير من المدنيين، إضافة إلى ضلوعه في مجازر، وارتكاب جرائم سلب وابتزاز، والتحريض العلني على العنف، والتورط في تهريب المخدرات والاتجار بها.
وأشار قرار الاتهام إلى أن هذه الأفعال تندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن مخالفتها لأحكام قانون العقوبات السوري.
وبدأت أولى جلسات المحاكمة في الـ 24 من حزيران، بحضور النائب العام للجمهورية، وممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية، حيث تلا القاضي فخر الدين العريان لائحة الاتهام كاملة، وأنكر المتهم الجرائم المسندة إليه، فيما واجهته المحكمة بأقواله أمام قاضي التحقيق وما ورد في ملف الدعوى، وعرضت تسجيلات مصورة قالت: إنها توثق مشاركته في القتال في عدة مناطق مرتدياً اللباس العسكري وأحياناً اللباس المدني، ويحمل أسلحة خفيفة ومتوسطة، وأوقفت المحكمة البث المباشر للجلسة ضمن إجراءات برنامج حماية الشهود، مع استمرار المحاكمة بشكل اعتيادي.
ومن المقرر أن تواصل المحكمة في الجلسة الثانية الاستماع إلى شهود الحق العام، واستكمال عرض الأدلة والوثائق المتعلقة بجرائم المتهم، ولا سيما تلك المرتبطة بالعمليات العسكرية في الغوطة الشرقية.
أحمد حسون.. الجلسة الثانية في الـ 16 من تموز للاستماع إلى شهود الحق العام

وفي الـ 16 من تموز، تستكمل المحكمة جلسات محاكمة أحمد حسون، المفتي السابق في عهد النظام البائد، والمتهم باستغلال منصبه الديني الرفيع في التحريض على العنف وتبرير القتل وإضفاء الشرعية الدينية والسياسية لأفعال نظام الأسد وميليشياته وحلفائه، مع العلم بالسياق العام وبنمط الجرائم المرتكبة التي تتم كهجمات واسعة النطاق وبشكل منهجي استهدفت مناطق مدنية، ما يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم أو العفو.
وتشمل لائحة الاتهام الموجهة إليه إلقاء محاضرات تحريضية أمام عناصر وضباط جيش النظام البائد حثهم فيها على دعم النظام في مواجهة معارضيه، والإدلاء بتصريحات إعلامية تضمنت تحريضاً على المدنيين في المناطق الثائرة واللاجئين الفارين من بطش النظام، ولا سيما في حلب الشرقية وإدلب، وطلباً من جيش النظام بتدمير هذه المناطق، وتأييداً علنياً لضباط وشخصيات متورطة بجرائم حرب من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني، وتأييد التدخلين الروسي والإيراني في سوريا رغم ما ارتكبته تلك القوات من انتهاكات ومجازر بحق السوريين، ما شكل تحريضاً ودعماً معنوياً وسياسياً ودينياً للجرائم التي ارتكبها جيش النظام البائد والميليشيات المساندة له.
وانعقدت الجلسة الأولى في الـ 26 من حزيران، بحضور النائب العام للجمهورية ومنظمات حقوقية، حيث تلا القاضي العريان لائحة الاتهام، وأكد ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي أن القضية لا تتعلق بشخص عادي، بل بشخص تولى منصباً دينياً رفيعاً استغله في التحريض وتبرير القتل، مشيراً إلى أن أفعاله، وفق ملف الدعوى، لا تقتصر على الخطاب الإعلامي، بل تشكل مساهمة مباشرة في توفير الغطاء المعنوي والديني لآلة القتل، ما يجعلها مرتبطة بجرائم واسعة ومنهجية، وطلبت النيابة متابعة محاكمته باعتبار أن الجرائم المنسوبة إليه من الجرائم الجسيمة التي لا يشملها العفو، ولا تسقط بالتقادم.
ومن المقرر أن تستمع المحكمة في الجلسة الثانية إلى شهود الحق العام، مع استمرار النيابة في تقديم أدلتها التي تثبت تورط المتهم في التحريض على الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري.
يذكر أن هذه المحاكمات تأتي في سياق رؤية أوسع تسعى الدولة من خلالها إلى بناء منظومة عدالة تضمن عدم تكرار الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، وتشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم وتعويض المتضررين وتوثيق الأحداث المفصلية في تاريخ البلاد، استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري الصادر عام 2025 والاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.