دمشق-سانا
أكد مستشار الصحة النفسية في الهيئة الوطنية للمفقودين الدكتور وائل الراس أهمية كشف مصير المفقودين بوصفه خطوة أساسية في مسار التعافي النفسي للعائلات، مشيراً إلى ضرورة التعامل مع هذا الملف بما يحفظ كرامة الضحايا وخصوصية ذويهم، ويضمن تقديم الدعم النفسي والاجتماعي المناسب للأسر المتضررة.
وأكد مستشار الصحة النفسية في الهيئة في تصريح لـ سانا، اليوم الإثنين، أن فقدان أحد أفراد الأسرة دون معرفة مصيره يُعدّ من أكثر التجارب النفسية تعقيداً وإيلاماً، مشيراً إلى أن هذا النوع من الفقد يُعرف في الأدبيات النفسية بمفهوم “الفقدان الغامض”، حيث يبقى الشخص غائباً جسدياً لكنه حاضر نفسياً وعاطفياً في حياة أسرته، ما يؤدي إلى حالة مستمرة من عدم اليقين تجعل من الصعب على أفراد العائلة التكيف مع الواقع أو المضي قدماً في حياتهم.
وأوضح الراس أن الفقدان الغامض قد يرتبط بمجموعة من التأثيرات النفسية، منها القلق المزمن، والحزن المستمر، واضطرابات النوم، والشعور بالذنب، وصعوبة اتخاذ القرارات المتعلقة بالمستقبل، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، كما قد يؤثر على العلاقات الأسرية والأدوار الاجتماعية داخل الأسرة، ولا سيما عندما يمتد الغياب لسنوات طويلة.
التعافي النفسي للعائلات
وبيّن مستشار الصحة النفسية في الهيئة أن كشف مصير المفقودين يُعدّ خطوة مهمة في مسار التعافي النفسي للعائلات، حتى عندما تكون الحقيقة مؤلمة، لافتاً إلى أن الوضوح يبقى أقل قسوة من استمرار حالة عدم اليقين، وأن معرفة الحقيقة تساعد العائلات على الانتقال من مرحلة “الفقدان الغامض” إلى مرحلة تقبّل الواقع والتكيف معه، وهي خطوة أساسية في عملية التعافي النفسي.
وأشار إلى أن كشف المصير يمنح الأسرة فرصة لفهم ما حدث، واتخاذ الإجراءات القانونية والاجتماعية اللازمة، وإعادة تنظيم حياتها على أساس واقع واضح، كما يساعد أفراد الأسرة على التعبير عن مشاعر الحزن بصورة صحية، وإعادة بناء علاقتهم النفسية مع الشخص المفقود من خلال الذكرى والتكريم بدلاً من البقاء عالقين في دائرة الانتظار والأسئلة المفتوحة.
الأثر النفسي لتداول الصور أو المقاطع الصادمة
وفيما يتعلق بالأثر النفسي لتداول الصور أو المقاطع الصادمة المرتبطة بالضحايا، أوضح مستشار الصحة النفسية في الهيئة، أن تداول الصور أو مقاطع الفيديو التي تتضمن مشاهد عنف شديد أو تهديداً مباشراً للحياة أو فقدانها يمكن أن يسبب آثاراً نفسية عميقة لدى المشاهدين عموماً، ولدى ذوي الضحايا بشكل خاص، إذ قد تؤدي هذه المواد إلى إعادة إحياء مشاعر الصدمة والألم، وتزيد من مستويات القلق والحزن والاضطراب النفسي.
وأضاف: إن هذه المشاهد قد تسهم في بعض الحالات بظهور أعراض اضطراب الكرب التالي للصدمة، وخاصة عندما تكون مرتبطة بأحد أفراد الأسرة أو الأشخاص المقربين، كما أن التكرار المستمر لعرض هذه المواد قد يعرقل عملية التعافي النفسي ويؤدي إلى ما يُعرف بإعادة الصدمة، الأمر الذي يستوجب التعامل معها بحذر شديد ومسؤولية أخلاقية ومهنية.
احترام كرامة الضحايا وخصوصية أسرهم
وأكد مستشار الصحة النفسية في الهيئة أن احترام كرامة الضحايا وخصوصية أسرهم، يمثل مبدأ أساسياً في التعامل مع قضايا المفقودين، ليس فقط من منظور حقوق الإنسان، بل أيضاً من منظور الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، مبيناً أن العائلات التي تعيش تجربة الفقدان تحتاج إلى بيئة آمنة تحترم مشاعرها وتحفظ خصوصيتها، وتمنع أي شكل من أشكال الاستغلال أو الوصم أو إعادة الإيذاء النفسي.
ولفت إلى أن الهيئة الوطنية للمفقودين تؤكد هذه المبادئ في جميع إجراءاتها وبروتوكولاتها المتعلقة بالاستقصاء والتواصل والمتابعة، بما يضمن التعامل مع المعلومات الشخصية بسرية تامة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي المناسب للأسر المتضررة، وصون كرامة المفقودين وذويهم في جميع مراحل العمل.
قضية نفسية ومجتمعية عميقة
وأشار مستشار الصحة النفسية في الهيئة إلى أن قضية المفقودين ليست مجرد قضية قانونية أو إنسانية، بل هي أيضاً قضية نفسية ومجتمعية عميقة الأثر تمس آلاف الأسر السورية التي عاشت سنوات طويلة من الانتظار وعدم اليقين، مؤكداً أهمية الجهود الوطنية الرامية إلى كشف مصير المفقودين وتقديم الدعم اللازم لعائلاتهم، بما يساعدهم على استعادة شعورهم بالأمان والقدرة على التكيف مع الواقع.
وأوضح أن التعامل المهني والإنساني مع هذا الملف، واحترام كرامة المفقودين وخصوصية ذويهم، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي المناسبة، تشكل ركناً أساسياً في مسار التعافي الفردي والمجتمعي.
وختم مستشار الصحة النفسية في الهيئة بالتأكيد على أن الصحة النفسية تمثل جزءاً لا يتجزأ من العدالة والكرامة الإنسانية، وأن دعم أسر المفقودين ومرافقتها في هذه الرحلة الصعبة هو استثمار في تماسك المجتمع السوري وتعافيه، وخطوة مهمة نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً لجميع السوريين.
وكانت الهيئة الوطنية للمفقودين أعلنت أول أمس السبت، عن توصلها إلى نتائج موثوقة ومتقاطعة تسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني وفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي، حيث قامت قبل أي إعلان عام بإبلاغ أفراد من العائلة المعنيين بهذه النتائج، وفق بروتوكول إنساني ومهني يراعي حق العائلة في المعرفة بوصفه أولوية أساسية، ويحفظ كرامتهم وسلامتهم النفسية.