عواصم-سانا
تتسارع التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة على وقع مفاوضات أمريكية إيرانية معقدة لم تبلغ بعد مرحلة الحسم، بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي واسع في جنوب لبنان، وسط محاولات أمريكية لاحتواء الانفجار الإقليمي ومنع انهيار مسار التفاهمات الجاري بحثها عبر الوسطاء.
ففي اليوم الحادي والتسعين للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، بدت واشنطن وطهران أقرب من أي وقت مضى إلى تفاهم أولي يمدد وقف إطلاق النار، ويعيد فتح مضيق هرمز وفقاً لمصادر رويترز.
غير أن التصريحات الأمريكية المتناقضة والتشدد الإيراني المستمر يعكسان حجم التعقيدات التي لا تزال تعترض الاتفاق النهائي، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات وآليات الملاحة في الخليج العربي.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إن هناك “أخذاً ورداً” في المفاوضات مع الإيرانيين، واصفاً إياهم بأنهم “مفاوضون جيدون للغاية”، فيما أقر نائبه جيه دي فانس بأن المحادثات لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، مؤكداً أن الخلافات لا تزال قائمة بشأن بعض البنود المتعلقة باليورانيوم عالي التخصيب وصياغة التفاهمات النهائية.
ترامب.. حرب ودبلوماسية
وبحسب تقارير نشرتها صحف أمريكية بينها “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” و”ذا هيل”، فإن الإدارة الأمريكية تناقش مسودة تفاهم مرحلية تقوم على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات أوسع حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية.
لكن هذه التقارير أجمعت على أن ترامب لم يمنح حتى الآن الضوء الأخضر النهائي للاتفاق، في ظل استمرار الخلافات حول آلية التعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، إضافة إلى تباين الرؤى بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز ورفع العقوبات والأموال الإيرانية المجمدة.
ورأت صحيفة نيويورك تايمز أن سياسة ترامب تجاه إيران تتسم بـ “التأرجح بين الحرب والدبلوماسية”، مشيرةً إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول الجمع بين الضغط العسكري والبراغماتية الاقتصادية في آن واحد، وهو ما خلق حالة من الإرباك داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية نفسها.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن أكثر من خمسين ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط وأوروبا يعيشون حالة ترقب وغموض، نتيجة تقلب المواقف الأمريكية بين التهديد بالتصعيد والسعي إلى التفاهم.
وفي المقابل، واصل المسؤولون الإيرانيون توجيه رسائل متشددة، حيث قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: إن بلاده “لا تكسب الامتيازات عبر المفاوضات بل عبر الصواريخ”، مؤكداً أن طهران لا تثق بالضمانات الأمريكية وأن “الأفعال وحدها هي المعيار”.
وفي ظل هذه الأجواء، تتواصل الوساطة الباكستانية بين الجانبين، حيث وصل وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار إلى واشنطن للقاء نظيره الأمريكي ماركو روبيو، في محاولة لدفع المفاوضات نحو تفاهم يضمن استمرار التهدئة وعدم انهيار وقف إطلاق النار الهش.
لبنان.. تصعيد ومفاوضات
لبنانياً، بدا المشهد أكثر توتراً مع تصعيد إسرائيلي واسع في الجنوب اللبناني عشية اجتماع أمني حساس بين وفدين عسكريين لبناني وإسرائيلي في مقر وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، ضمن محادثات ترعاها واشنطن لبحث ترتيبات أمنية وسبل تثبيت وقف إطلاق النار.
وشن الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات مكثفة استهدفت مدينة النبطية وعدداً من بلدات الجنوب، أسفرت عن قتلى وجرحى وأضرار واسعة، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحليق مكثف للطيران الحربي والاستطلاع، وفي وقت واصلت فيه إسرائيل توجيه إنذارات بالإخلاء لسكان بعض القرى الجنوبية، بينما أعلنت ميليشيا حزب الله تنفيذ هجمات استهدفت مواقع وآليات إسرائيلية في عدة مناطق حدودية.
كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن قواته “عبرت نهر الليطاني وسيطرت على مواقع استراتيجية”، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني والبقاع.
ويأتي هذا التصعيد بينما يعقد الوفد العسكري اللبناني اجتماعات مع الجانب الأمريكي في واشنطن، حيث تؤكد بيروت أن أولويتها تتمثل في وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ورفض أي ترتيبات تمس السيادة اللبنانية.
وترى أوساط سياسية وإعلامية غربية أن واشنطن تحاول عبر هذه المفاوضات منع توسع المواجهة على الحدود اللبنانية، في وقت يبدو فيه المشهد الإقليمي مفتوحاً على احتمالات متعددة بين التهدئة المؤقتة أو العودة إلى التصعيد الواسع.