بروكسل-سانا
تسعى أوروبا إلى إعادة تشكيل منظومة المدفوعات الرقمية وتقليل اعتمادها على شركات الدفع الأمريكية مثل “فيزا” و”ماستركارد”، في إطار توجه أوسع لتعزيز ما يُعرف بـ”السيادة النقدية الرقمية”، وسط خلافات متصاعدة بين البنك المركزي الأوروبي والقطاع المصرفي الخاص تعرقل تسريع هذه الجهود.
وتأتي هذه التحركات في ظل التحول الكبير نحو المدفوعات غير النقدية منذ جائحة كورونا، ما عزز هيمنة الشركات الأمريكية التي تعالج نحو ثلثي عمليات الدفع بالبطاقات داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب توسع شركات التكنولوجيا المالية مثل “باي بال” و”أبل باي”.
السيادة الرقمية في صلب أولويات أوروبا
ويضع صانعو السياسات الأوروبيون حسب تقرير لشبكة سي إن إن اليوم الجمعة، “السيادة في أنظمة الدفع” ضمن أولوياتهم الاستراتيجية، في ظل مخاوف من استخدام أنظمة الدفع كسلاح في نظام عالمي متغير، إضافة إلى التحديات التي تفرضها أشكال جديدة من النقود على دور اليورو.
وفي هذا السياق، يعمل البنك المركزي الأوروبي على إطلاق مشروع ”اليورو الرقمي” بحلول عام 2029، وهو عبارة عن محفظة إلكترونية مضمونة من البنك المركزي تُدار عبر شركات خاصة، بينها البنوك التجارية.
البنوك تتحفظ ومخاوف من تراجع الودائع
وتبدي البنوك الأوروبية تحفظاً على المشروع، إذ تخشى أن يؤدي “اليورو الرقمي” إلى تحويل جزء من ودائع العملاء إلى محافظ مضمونة من البنك المركزي، ما قد يضعف دورها التقليدي في النظام المالي.
وفي المقابل، يواصل القطاع المصرفي الضغط لتعديل التصميم التشريعي للمشروع، بينما لا تزال مناقشات البرلمان الأوروبي بشأنه متأخرة منذ نحو ثلاث سنوات.
خلافات حول الرسوم وتوزيع العوائد
وبحسب مقترحات البنك المركزي الأوروبي، سيتم توفير البنية التحتية لليورو الرقمي مجاناً، مع فرض سقف على رسوم التجار عند استخدامه.
لكن تقديرات تشير إلى أن هذا السقف قد يؤدي إلى خسائر تتراوح بين 8 و9 مليارات يورو سنوياً في إيرادات نظام المدفوعات التقليدي، ما يزيد من حدة الاعتراضات داخل القطاع المصرفي.
ويرى محللون أن أحد الحلول الممكنة يتمثل في خفض رسوم التبادل بين البنوك لتعويض جزء من الأثر، في حين تؤكد المؤسسات المالية أن تصميم النظام لا يزال يفتقر إلى وضوح في توزيع العوائد داخل سلسلة القيمة.
وقال كونا جانهجي، رئيس المدفوعات في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى “بوسطن كونسلتينغ غروب”، وهي شركة استشارات إدارية عالمية مقرها الولايات المتحدة: إن “اليورو الرقمي لا يزال بحاجة إلى معالجة قضايا القبول التجاري وآلية عمل سلسلة القيمة”.
تحديات الأمن السيبراني
وتعمل أنظمة دفع وطنية مثل “بانكومات” في إيطاليا و”بيزوم” في إسبانيا على تطوير الربط بين شبكاتها الحالية، مع التوسع في خدمات الدفع الفوري المباشر للتجار.
لكن مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي يحذرون من أن استمرار تعدد الأنظمة قد يؤدي إلى تجزئة السوق، وزيادة مخاطر الأمن السيبراني والأعطال التقنية، ما يهدد كفاءة المنظومة المالية الموحدة.
الابتكار يسبق التنظيم الأوروبي
وفي المقابل، يحذر خبراء من أن وتيرة الابتكار في القطاع الخاص قد تتجاوز قدرة التنظيم الأوروبي، ما قد يقلل من فعالية مشروع “اليورو الرقمي” إذا تأخر إطلاقه حتى عام 2029.
وقال نورمان وودينغ، الرئيس التنفيذي لشركة “سكربت” للمدفوعات الرقمية: إن “الابتكار يسبق التنظيم بشكل بنيوي، وما يتم تقييمه اليوم قد يتغير بالكامل خلال سنوات قليلة”.
ويكشف طرح مشروع “اليورو الرقمي” حالياً صراعاً أوسع بين الطموح الأوروبي لبناء نظام مالي مستقل، والواقع العملي المتمثل في هيمنة شركات الدفع العالمية وسرعة تطور التكنولوجيا المالية، وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا هو تحقيق التوازن بين السيادة النقدية والمرونة التنافسية في سوق تتغير قواعده بوتيرة متسارعة.