واشنطن-موسكو-بكين-سانا
أعاد الرفض الروسي ــ الصيني المشترك لمشروع “القبة الذهبية” الأمريكي، إحياء الجدل حول واحد من أكثر المشاريع العسكرية طموحاً وإثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة، وسط تحذيرات من أن المشروع قد يفتح الباب أمام عسكرة الفضاء وسباق تسلح جديد يتجاوز حدود الأرض.
فبعد القمة التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين اليوم الأربعاء، وجه البلدان في بيان نقلته وكالات تاس وشينخوا ورويترز انتقادات مباشرة للمشروع ولخطط نشر أسلحة في الفضاء، معتبرتين أن الخطوة الأمريكية “تزيد من احتمالات النزاعات العسكرية في الفضاء”، وتدفع نحو “سباق تسلح جديد”.
وحذر البيان من أن المشروع الأمريكي “ينتهك مبدأ الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي”، فيما وصفت الخارجية الصينية المشروع بأنه “هجومي وخطير للغاية”، أما موسكو فشبهت المشروع بمبادرة “حرب النجوم” الأمريكية في ثمانينات القرن الماضي، معتبرة أن واشنطن تحاول بناء تفوق استراتيجي جديد عبر الفضاء، وفق ما نقلته وكالة تاس الروسية.
ما هي “القبة الذهبية”؟
أعلن ترامب رسمياً في أيار 2025 إطلاق مشروع القبة الذهبية، بوصفه درعاً صاروخية متطورة لحماية الولايات المتحدة من “التهديدات الجوية الحديثة”، وخاصة الصواريخ الروسية والصينية الفرط صوتية والباليستية.
وقال ترامب خلال إعلانه المشروع في البيت الأبيض وفق تصريحات نقلتها فرانس برس ورويترز: إن المنظومة ستكون قادرة على “اعتراض الصواريخ حتى لو أطلقت من الجانب الآخر من العالم أو من الفضاء”، معتبراً أنها “ضرورية لبقاء الولايات المتحدة”.
ويستند المشروع إلى إنشاء شبكة هائلة من الأقمار الصناعية المزودة بأجهزة استشعار واعتراض، إلى جانب دمج منظومات دفاعية برية وبحرية وجوية قائمة، مثل صواريخ “باتريوت” و”ستاندرد” البحرية، ضمن منظومة موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتتبع الفضائي الفوري، وفق بيانات البنتاغون وتصريحات مسؤولين أمريكيين نقلتها رويترز.
كما عيّن ترامب الجنرال مايكل غيتلاين، نائب رئيس العمليات في قوة الفضاء الأمريكية، للإشراف على المشروع، فيما أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، أن التطور التكنولوجي الحالي يجعل فكرة الدفاع الصاروخي الشامل “أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى”، بحسب فرانس برس.
منظومة فضائية معقدة
وبحسب تقرير مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي نقلته مونت كارلو الدولية ووكالة الصحافة الفرنسية، فإن المشروع يتطلب إنشاء أربع طبقات دفاعية متكاملة لحماية الأراضي الأمريكية، بما فيها ألاسكا وهاواي، إضافة إلى نشر آلاف الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض.
وتشير التقديرات إلى أن المشروع يحتاج إلى نحو 7800 قمر صناعي مسلح لاعتراض عدد محدود فقط من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، فيما ستستهلك “المعترضات الفضائية” نحو 60 بالمئة من إجمالي التكلفة، بسبب الحاجة المستمرة لاستبدال الأقمار الصناعية التي قد تفقد ارتفاعها تدريجياً وتحترق في الغلاف الجوي بعد سنوات قليلة من التشغيل.
تكلفة تتجاوز التريليون دولار
ورغم أن ترامب تحدث بداية عن كلفة تبلغ نحو 175 مليار دولار، فإن تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي رفعت الرقم لاحقاً إلى نحو 1.2 تريليون دولار على مدى عقدين، ما يجعل المشروع من أضخم البرامج العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، وفقاً لفرانس برس وشبكة مونت كارلو الدولية.
وقال الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لويس رامبو، في تصريحات نقلتها صحيفة “إندبندنت” البريطانية: إن المشروع يتطلب “تعاوناً غير مسبوق” بين مختلف أفرع الجيش الأمريكي والمؤسسات التكنولوجية، بينما وصفه الخبير الأمريكي جيفري لويس من معهد ميدلبري للدراسات الدولية بأنه “الفرق بين قارب صغير وبارجة حربية”، مقارنة بالقبة الحديدية الإسرائيلية.
كما حذر تقرير مكتب الميزانية الأمريكي، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، من أن خصوماً كباراً مثل روسيا أو الصين، الذين يمتلكون ترسانات نووية ضخمة، قد يتمكنون من “إغراق النظام” بعدد كبير من الصواريخ، ما يعني أن بعض الصواريخ ستنجح في الوصول إلى أهدافها رغم وجود المنظومة.
من “القبة الحديدية” إلى “حرب النجوم”
ورغم استلهام الاسم من “القبة الحديدية” الإسرائيلية، فإن المشروع الأمريكي يتجاوز بكثير فكرة الدفاع ضد الصواريخ قصيرة المدى، إذ يهدف إلى إنشاء شبكة دفاع عالمية تعتمد على الفضاء بصورة أساسية.
وبحسب تقديرات مراكز أبحاث أمريكية بينها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، فإن المشروع يعكس توجهاً أمريكياً متزايداً نحو نقل المنافسة العسكرية إلى الفضاء، وخاصة مع تصاعد التوتر مع روسيا والصين وتطور الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة.
ومع استمرار الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن التمويل والكلفة والفعالية، يبدو أن “القبة الذهبية” تحولت بالفعل من مشروع دفاعي إلى عنوان لمواجهة استراتيجية مفتوحة بين القوى الكبرى، تمتد من الأرض إلى الفضاء.