القدس المحتلة-سانا
في قطاع غزة، لا تتوقف حرب الإبادة الإسرائيلية عند حدود القصف والركام، بل تمتد إلى داخل الخيام نفسها، حيث يواجه مئات آلاف النازحين معركة يومية مع القوارض والطفيليات، في مشهد يصفونه بأنه حرب ثانية لا تقل قسوة عن الأولى.
وذكرت وكالة رويترز أن الفئران والطفيليات تنتشر في مخيمات النازحين في القطاع إذ تعض القوارض أصابع الأطفال وأقدامهم أثناء نومهم، وتفسد ما تبقى من ممتلكات العائلات التي فقدت كل شيء تقريباً وتنشر الأمراض.
وقال خليل المشهراوي: إن فأرا عض يد وأصابع قدم ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات قبل عدة أسابيع، ويوم الجمعة الماضي، تعرض هو نفسه للعض، موضحاً أنه يتناوب هو وزوجته على النوم لحماية أطفالهما وبعضهما البعض من غزو الفئران الذي لا يستطيعان السيطرة عليه أو الدفاع عن أنفسهم ضده، حيث إن مصائد القوارض غير فعالة إلى حد كبير في المنازل المدمرة ومخيمات الخيام في غزة.
وفي خان يونس، تحوّل فستان النازحة أماني أبو سلمي إلى رمز آخر للفقدان، بعدما قضمته الفئران قبل أيام من موعد زفافها، لتقول وهي تمسك بقطع ممزقة من ثوبها داخل خيمتها: “كل فرحتي راحت… تحولت لحزن وقهر”.
ومع تدمير الاحتلال الإسرائيلي لشبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات، ومنعه إدخال المعدات اللازمة لمعالجة هذه الكارثة تحولت المخيمات إلى بيئة مثالية لتكاثر الآفات وانتشار الأمراض.
17 ألف إصابة
منظمة الصحة العالمية وثقت أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات منذ بداية العام، في رقم يعكس حجم الانهيار البيئي والصحي في القطاع، حيث يعيش أكثر من مليون نازح في خيام مؤقتة تفتقر إلى أبسط شروط النظافة والسلامة.
وحذر محمد أبو سلمية مدير مستشفى الشفاء أكبر مستشفيات قطاع غزة من تفاقم المشكلة مع اقتراب الصيف في ظل الحظر الإسرائيلي على مواد مكافحة الآفات مثل سم الفئران، لافتاً إلى أن المستشفيات تسجل يومياً حالات لمرضى يجري إدخالهم بسبب حوادث تتعلق بالقوارض، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن والمرضى.
تمدد الأزمة
أوضحت بلدية مدينة غزة أن المدينة تواجه كارثة صحية وبيئية غير مسبوقة جراء تراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات في الشوارع والمكبات المؤقتة، مبينةً أن المشكلة لا تقتصر على المدينة حيث ينتج القطاع يومياً أكثر من 1300 طن من النفايات الصلبة التي تُجمع في مواقع عشوائية دون فرز أو دفن صحي.
ووصفت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” ما يحدث بأنه “إبادة صامتة”، في ظل تراكم ملايين الأطنان من النفايات الخطرة ومخلفات الحرب داخل الأحياء السكنية ومحيط مخيمات النزوح، وسط عجز شبه كامل عن معالجتها بفعل الحصار وتدمير البنية التحتية وشح الوقود.
أما الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” فتفيد بأن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض في القطاع، ما يحوّل المناطق المدمّرة إلى شبكة واسعة من الجحور والممرّات التي توفر بيئة آمنة لتكاثر الجرذان والآفات، مشيرةً إلى أن تراكم النفايات واختلاطها بالمياه العادمة وتعطّل شبكات الصرف الصحي، يؤدي إلى تسريع انتشار القوارض وانتقالها إلى الخيام ومراكز الإيواء.
من جهتها حذرت وزارة الصحة الفلسطينية من تفاقم المخاطر الصحية التي تهدد أهالي القطاع، نتيجة الانتشار الواسع للقوارض في ظل التدهور الحاد في الأوضاع البيئية والصحية، مطالبة منظمة الصحة العالمية وكل الجهات الصحية الدولية إلى التدخل الفوري والعاجل، عبر إدخال مواد مكافحة القوارض وتعزيز إجراءات الوقاية والسيطرة، وخاصة في ظل وجود 1.4 مليون فلسطيني يعيشون في ظروف سكنية هشة، في الخيام أو في العراء، ما يضاعف من مستوى تعرضهم المباشر لهذه المخاطر الصحية.
في غزة، لم يعد السؤال عن موعد انتهاء الحرب فحسب، بل عن كيفية النجاة من حرب أخرى تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيام، حيث يخوض النازحون معركة إضافية إلى جانب بحثهم عن الأمان من القصف، هي معركة البقاء في بيئة تنهار صحياً وبيئياً يوماً بعد يوم.