عواصم-سانا
دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران يومها التاسع عشر وسط واحدة من أعنف الليالي منذ اندلاعها، فقد كثّفت طهران هجماتها مستخدمة صواريخ ثقيلة وعنقودية، في ردّ على اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، في تصعيد غير مسبوق من حيث كثافة الضربات ونوعية الأسلحة المستخدمة.
وترافقت هذه الضربات مع توسع رقعة الاشتباك، ولا سيما على الجبهة اللبنانية، حيث صعّدت إسرائيل عملياتها الجوية وأصدرت إنذارات إخلاء واسعة، وسط مؤشرات على دفع المعارك نحو مستوى أكثر خطورة، بالتوازي مع استمرار الاستهدافات في العراق، والخليج العربي.
سياسياً، تزامن هذا التصعيد مع تحركات دولية مكثفة، من اجتماع مرتقب في الرياض لبحث أمن المنطقة، إلى جلسات ساخنة في الكونغرس الأمريكي وسط انقسام داخلي متزايد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية عالمياً، مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد.
ليلة الصواريخ.. إيران ترفع وتيرة الرد
شهدت الساعات الماضية تصعيداً إيرانياً غير مسبوق، مع إطلاق موجات صاروخية متتالية استهدفت العمق الإسرائيلي، مستخدمة صواريخ من طراز “خرمشهر 4” برؤوس ثقيلة، إضافة إلى صواريخ عنقودية فرط صوتية، ما أسفر عن مقتل إسرائيليين اثنين، وإصابة نحو مئتين، إلى جانب دمار واسع.
وأكد الحرس الثوري استهداف أكثر من 100 موقع عسكري وأمني إسرائيلي، ضمن ما وصفها بالموجة الـ61 من عمليات الرد، مشدداً على استمرار الضربات بوتيرة متصاعدة.
لبنان.. تصعيد خطير وتوسع العمليات
على الجبهة اللبنانية، صعد الجيش الإسرائيلي هجماته بشكل لافت، مستهدفاً العاصمة بيروت للمرة الأوسع منذ بدء المواجهة، حيث دمر مبنى كاملاً في حي الباشورة، إلى جانب غارات على زقاق البلاط وصيدا وصور.
كما أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء لعدد من القرى جنوب لبنان، في مؤشر على احتمال توسيع توغله البري، بالتوازي مع استهدافات طالت البنية السكنية.
وفي المقابل، أعلنت ميليشيا حزب الله تنفيذ هجمات صاروخية، ومسيّرة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية، بينها قاعدة حيفا البحرية، وتجمعات للجنود في الشمال.
العراق.. ساحة لتبادل الضربات
في العراق، تصاعدت الهجمات بشكل كبير، مع استهداف السفارة الأمريكية ومواقع عسكرية قرب مطار بغداد، بالتزامن مع ضربات جوية طالت مواقع لميليشيا الحشد الشعبي الموالية لإيران، فيما أعلنت فصائل مسلحة تنفيذ عشرات العمليات ضد قواعد أمريكية خلال الـ 24 ساعة الماضية، حيث سقط قتلى وجرحى جراء القصف المتبادل.
وفي الخليج العربي، أعلنت السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت اعتراض صواريخ، ومسيّرات إيرانية، مع تسجيل سقوط شظايا في بعض المناطق دون أضرار كبيرة، بينما أُطلقت صفارات الإنذار في البحرين.
واشنطن.. ضغوط داخلية وانقسام متصاعد
في الولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى الكونغرس، حيث تبدأ جلسات استماع حول الحرب، وسط ضغوط متزايدة على إدارة دونالد ترامب بشأن مسار العمليات.
ويأتي ذلك في ظل انقسام داخلي متصاعد، برز مع استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب احتجاجاً على الحرب، إضافة إلى تزايد الأصوات المعارضة داخل المؤسسات السياسية والأمنية.
كما تواجه الإدارة انتقادات على خلفية ضربات أوقعت ضحايا مدنيين في إيران، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي.
تحركات دولية.. الرياض في الواجهة
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تستضيف الرياض اجتماعاً لوزراء خارجية دول عربية، وإسلامية لبحث تطورات الأزمة، في محاولة لاحتواء التصعيد وتعزيز التنسيق الإقليمي.
في المقابل، تؤكد طهران تمسكها بشروطها، مشددة على أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل لبنان، ما يقلل فرص التهدئة في المدى القريب.
بوشهر.. هواجس نووية
وفي سياق متصل، عادت المخاوف لتتصاعد حول منشأة بوشهر النووية جنوب إيران، بعد تقارير عن إجراءات احترازية وتخفيض للكوادر العاملة في الموقع، وسط تحذيرات من مخاطر أي استهداف مباشر أو غير مباشر للمنشأة.
وفي هذا الإطار، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أبلغتها بأن مقذوفاً أصاب موقع محطة بوشهر مساء الثلاثاء، دون تسجيل أضرار في المنشأة أو وقوع إصابات بين الموظفين.
وتعد بوشهر المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، ما يجعلها نقطة حساسة في أي تصعيد عسكري، نظراً لما قد يترتب على تعرضها لأضرار من تداعيات بيئية، وإنسانية تتجاوز حدود إيران إلى دول الخليج.
الاقتصاد العالمي.. صدمة الطاقة تتعمق
اقتصادياً، انعكست التطورات بشكل مباشر على الأسواق، حيث تجاوزت أسعار النفط مستوى الـ 100 دولار للبرميل، مع مخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.
كما حذّرت الأمم المتحدة من تأثيرات خطيرة على الأمن الغذائي العالمي، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والطاقة وتعطل سلاسل الإمداد.
وفي الولايات المتحدة، تضغط هذه التطورات على قرارات الاحتياطي الفيدرالي، وسط مخاوف من تصاعد التضخم وتعقيد مسار السياسة النقدية.
وفي ظل هذا التصعيد المتسارع، تبدو المواجهة مرشحة لمزيد من التوسع، مع تداخل الجبهات، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية.
ويرى مراقبون أن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاستنزاف المفتوح، حيث لم تعد المواجهة محصورة بضربات مباشرة، بل باتت تمتد عبر شبكة معقدة من الجبهات والتحالفات، ما يجعل احتواءها أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة.