دمشق-سانا
تتصاعد المخاوف في دول الخليج العربي من تداعيات الحرب الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في ظل اعتماد هذه الدول بشكل شبه كامل على محطات تحلية مياه البحر، لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً.
وتعتمد دول الخليج على التحلية بنسبة تتراوح بين 42 و90 بالمئة من إجمالي استهلاكها، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن نحو مئة مليون شخص في المنطقة يعتمدون على هذه المحطات للحصول على مياه الشرب.
استهداف مباشر لمنشآت التحلية
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، سجلت عدة حوادث طالت منشآت تحلية أو بُنى تحتية مرتبطة بها، حيث أعلنت إيران في السابع من آذار عن قصف محطة تحلية في جزيرة قشم، ما أدى إلى انقطاع المياه عن نحو 30 قرية.
وفي البحرين، أعلنت السلطات تعرض إحدى محطات التحلية لضربة بطائرة مسيرة إيرانية أسفرت عن أضرار مادية، كما أدى سقوط شظايا صاروخ معترض في مجمع الدوحة الغربي للكهرباء وتقطير المياه في الكويت إلى اندلاع حريق في الموقع.
هشاشة محطات التحلية وتحديات الإمداد
ويؤكد محمد عبد الحميد داود، مستشار الموارد المائية لحكومة أبوظبي، أن محطات التحلية “هشة بطبيعتها”، موضحاً أن المنطقة “قاحلة ولا تمتلك أنهاراً، فيما تبقى البدائل نادرة جداً”.
من جهته، يرى ديفيد ميشيل، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن “تعطيل محطات رئيسية في وقت واحد سيخلق أزمة لوجستية غير مسبوقة”، مشيراً إلى أن البديل سيكون “الاعتماد على نقل المياه المعبأة والصهاريج، وهو ما يمثل تحدياً ضخماً في ظل الظروف الحالية”.
مخاطر تشغيلية مضاعفة
تشكل محطات التحلية غالباً مجمعات متكاملة مع محطات توليد الطاقة، نظراً لحاجتها إلى كميات كبيرة من الكهرباء لتشغيل أنظمة التنقية، ما يزيد من احتمالية تعرضها للتلف في حال استهداف البنية التحتية للطاقة.
كما أن أي تسرب نفطي واسع في مياه الخليج قد يؤدي إلى توقف هذه المحطات لأسابيع أو أشهر، بسبب صعوبة معالجة المياه الملوثة.
ويؤكد متخصصون في القانون الدولي أن استهداف منشآت المياه يعد انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي، إذ يحظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف مهاجمة “الأشياء التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين”، بما في ذلك منشآت مياه الشرب وشبكات توزيعها.
اختلاف مستويات التأثر
ورغم الجهود المبذولة لبناء مخزون استراتيجي من المياه، تشير التقديرات إلى أن هذه الاحتياطيات لا تكفي سوى لفترة قصيرة في معظم دول الخليج، في حين تعمل الإمارات على تطوير سعة تخزينية تكفي لأكثر من 45 يوماً في حالات الطوارئ القصوى، وهو حل مؤقت لا يعوض تعطل الإنتاج لفترات طويلة.
ويرى خبراء أن قطاع تحلية المياه في الخليج يواجه اختباراً حقيقياً في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، سواء من ناحية تأمين المنشآت أو ضمان استمرار سلاسل التوريد الخاصة بقطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة للتشغيل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين البحري.
وتشير التقديرات إلى أن مستقبل أمن المياه في المنطقة سيبقى مرتبطاً بقدرة دول الخليج على تعزيز مرونتها، وتطوير بدائل مائية مستدامة في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.