القدس المحتلة-سانا
أثار إدخال تعديلات على خرائط تاريخية ومواد ثقافية وتعليمية في مؤسسات غربية بارزة جدلاً واسعاً حول محاولات إعادة صياغة السرد التاريخي المتعلق بفلسطين، وسط اتهامات لإسرائيل بالسعي إلى فرض روايتها عبر الضغط القانوني والسياسي، في إطار محاولتها طمس الهوية العربية والسيطرة على الذاكرة.
المتحف البريطاني وتعديل الشروحات الجغرافية
وبرزت القضية مؤخراً بعد قيام المتحف البريطاني، في العاشر من شباط الجاري، بتعديل الشروحات المرافقة لعدد من الخرائط التاريخية لمنطقة شرق المتوسط، حيث جرى حذف أو تهميش اسم فلسطين في مواضع كان يرد فيها سابقاً.
وذكرت تقارير صحفية بريطانية أن التعديل جاء عقب ضغوط قانونية مارستها منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل”، بذريعة ما وصفته “تصحيح المصطلحات الجغرافية”.
المتحف ينفي وأكاديميون يشككون
وعلى الرغم من نفي المتحف إزالة اسم فلسطين، وتأكيده استمرار استخدامه في معارض عدة، اعتبر أكاديميون مختصون أن الخطوة تمثل خلطاً بين الجغرافيا التاريخية والواقع السياسي الراهن، مشيرين إلى أن اسم فلسطين ورد في خرائط أوروبية وعثمانية وبريطانية عبر قرون، وأن أي تعديل يجب أن يستند إلى مصادر علمية وسياق تاريخي واضح.
الذاكرة التعليمية وموسوعة بريتانيكا
وفي سياق مشابه، واجهت الموسوعة البريطانية “بريتانيكا” انتقادات بعد إدخال تعديلات على خرائط تاريخية في إصدارات تعليمية موجهة للأطفال، اعتمدت تسميات تعكس الواقع السياسي الحالي، بينما يرى مختصون تربويون أن هذه التعديلات تضعف حضور اسم فلسطين في الذاكرة التعليمية، وتسهم في طمس البعد التاريخي للقضية.
ضغوط على مؤسسات أخرى وتوثيق حالات قمع
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الضغوط لم تقتصر على المتحف البريطاني وبريتانيكا، بل طالت مؤسسات تعليمية وثقافية ومجالس محلية ومرافق صحية في المملكة المتحدة، في إطار محاولات لتقييد استخدام مصطلحات أو مواقف داعمة لفلسطين.
وأعلن المركز الأوروبي للدعم القانوني أنه وثق نحو 900 حادثة قمع معادية للفلسطينيين في المملكة المتحدة بين كانون الثاني 2019 وآب 2025، ظهرت فيها منظمة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” في 128 حالة، سواء كطرف مباشر أو مشارك في إجراءات أدت إلى تقييد أنشطة داعمة لفلسطين.
وقال المدير التنفيذي للمركز، “جيوفاني فاسينا”: “إن الضغوط تبدأ غالباً بمراسلات قانونية تتضمن تهديدات بإجراءات قضائية، ما يدفع مؤسسات إلى تعديل سياساتها تفادياً للصدام”.
الموقف الفلسطيني الرسمي
من جهتها أعربت السفارة الفلسطينية في المملكة المتحدة عن قلقها إزاء تقارير تحدثت عن ضغوط لإزالة أو تقييد استخدام اسم فلسطين في المتحف البريطاني.
وقال السفير “حسام زملط”: “إن تصوير اسم فلسطين على أنه “مثير للجدل” يشرعن إنكار وجود الشعب الفلسطيني، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون في غزة لإبادة مستمرة، ويواجهون سياسات تطهير عرقي وضم في الضفة الغربية”.
وأضاف زملط: “لا يجب أن تتحول المؤسسات الثقافية إلى ساحات للحملات السياسية، فلسطين كانت وستبقى موجودة”.
مواقف أممية: فلسطين اسم ثابت
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”، في قرارات متعددة، أن الأسماء الجغرافية هي جزء من التراث غير المادي للشعوب، وأن تغييرها أو طمسها يمثل تشويهاً للتاريخ، مشددة على أن القدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة تحمل هوية تاريخية وثقافية فلسطينية واضحة، وأن محاولات إعادة تسميتها تخالف المعايير الدولية لحماية التراث.
المناهج التعليمية وساحة التأثير غير المباشر
كما امتد الجدل إلى المناهج التعليمية، حيث واجهت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، ضغوطاً بعد إدخال تعديلات على بعض المواد التعليمية في دول اللجوء، جرى فيها تقليص استخدام اسم فلسطين.
وعلى الرغم من تأكيد الوكالة التزامها بقرارات الأمم المتحدة، يرى مراقبون أن هذه الحوادث تعكس حجم الضغوط الرامية إلى تحييد القضية الفلسطينية لغوياً ورمزياً.
سياسات الاحتلال على الأرض
وترتبط هذه الممارسات الثقافية والتعليمية بسياسات الاحتلال على الأرض، بما يشمل تغيير أسماء القرى والبلدات، وتهويد المواقع الأثرية، ومصادرة الأرشيفات، ومنع أعمال الترميم، وتعتبر تقارير أممية أن هذه الإجراءات تشكل سياسة ممنهجة تستهدف محو الذاكرة الفلسطينية وفرض رواية أحادية للتاريخ.
صراع السرد والهوية
ويرى متابعون للشأن الفلسطيني، أن الجدل حول تعديل الشروحات الجغرافية يعكس تداخلاً متزايداً بين الاعتبارات الأكاديمية والضغوط السياسية، في إطار صراع على السرد والهوية، مؤكدين أن طمس اسم فلسطين من الخرائط يشكل جزءاً من محاولات أوسع لإعادة تشكيل الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، في تناقض مع الحقائق التاريخية والمرجعيات القانونية الدولية.