عواصم-سانا
في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع مسارات التفاوض والردع بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصاعد التحذيرات من أن توسيع أجندة المحادثات قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة.
وبينما تلوّح واشنطن بخيارات صارمة إذا تعثرت المفاوضات، وتضغط إسرائيل لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ضمن جدول الأعمال، تؤكد طهران أن هذا الملف يمثل “خطاً أحمر” غير قابل للتفاوض، وأن استعدادها للتفاهم يقتصر على الملف النووي فقط.
خطوط خضراء وأخرى حمراء
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شدد على أن بلاده لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة لأي عملية تحقق تضمن سلمية برنامجها، كما أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن التوصل إلى اتفاق ممكن إذا كان “عادلاً ومتوازناً”.
لكن، كلاهما أوضح بجلاء أن البرنامج الصاروخي يمثل “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه، حيث قال عراقجي: “صواريخنا ليست ولن تكون موضوعاً للتفاوض”، معتبراً أن أي محاولة للمساس بها تُعد انتهاكاً للسيادة الإيرانية.
هذه المواقف تجعل من تمسك طهران ببرنامجها الصاروخي العقدة الأكبر أمام أي مسار تفاوضي، وتبقي احتمالات التصعيد قائمة حتى في حال التوصل إلى اتفاق نووي محدود.
تركيا تحذر من حرب جديدة
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كشف في مقابلة مع فايننشال تايمز، أن واشنطن وطهران تبدوان مستعدتين للتوصل إلى حل وسط يمهّد لاتفاق نووي جديد، مشيراً إلى مرونة أمريكية بشأن شرط وقف التخصيب الكامل لليورانيوم، الذي كان عقبة رئيسية في السابق.
وأوضح فيدان أن الولايات المتحدة قد تقبل بتخصيب إيراني “ضمن حدود واضحة”، مقابل التزام طهران بقيود صارمة على مستويات التخصيب ونظام تفتيش مشدد، على غرار اتفاق عام 2015، لكنه حذّر من أن إصرار واشنطن على إدراج ملفات أخرى، مثل الصواريخ الباليستية ودعم إيران لجماعات مسلحة، قد يعرقل التقدم ويؤدي إلى “اندلاع حرب أخرى”.
واشنطن تفاوض وتلوّح بالقوة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف المحادثات الأخيرة في مسقط بأنها “جيدة جداً”، مؤكداً تمسكه بمواصلة التفاوض، معتبراً أن الاتفاق يبقى الخيار المفضل لواشنطن إذا تحقق، لكنه عاد ولوّح باتخاذ “إجراء صارم للغاية” في حال رفضت إيران الشروط المطروحة.
وبعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، شدد ترامب على استمرار التنسيق الوثيق مع إسرائيل، فيما تحدثت تقارير عن احتمال إرسال حاملة طائرات أمريكية ثانية إلى المنطقة، في رسالة ضغط موازية لمسار التفاوض.
أولويات متباينة
تكشف تقارير صحفية أمريكية عن اختلاف في أولويات واشنطن وإسرائيل، فالأولى تركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما ترى الثانية أن البرنامج الصاروخي الإيراني يشكل التهديد الأكثر إلحاحاً، وأن أي اتفاق لا يتضمن قيوداً على الصواريخ سيبقي الخطر قائماً.
وتضغط إسرائيل للمشاركة في صياغة أي اتفاق محتمل، محذّرة من أن اتفاقاً “محدوداً” يقتصر على النووي لن يعالج ما تعتبره تهديدات أمنية أوسع.
معادلة معقدة
المشهد الراهن يقوم على معادلة متشابكة، إذ تسعى واشنطن لاتفاق يمنع التسلح النووي ويُظهر نجاحاً دبلوماسياً، فيما تريد إسرائيل اتفاقاً أشمل يقيّد الصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني، بينما تطالب إيران برفع العقوبات والاعتراف بحقها في التخصيب، مع الحفاظ على قدراتها الدفاعية.
وبين هذه الحسابات المتباينة، يبدو أن توسيع جدول الأعمال قد يُفشل المفاوضات، فيما يمكن أن يشكل الاكتفاء بالملف النووي مدخلاً مرحلياً لخفض التوتر، ومع ذلك، يبقى تمسك إيران ببرنامجها الصاروخي عاملاً أساسياً يُبقي شبح الحرب ماثلاً في المنطقة.