عواصم-سانا
بعد سنوات من المكاسب القياٍسية التي جعلت الذهب الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن الأمان، يمر المعدن الأصفر بواحدة من أصعب مراحله، مع تراجعه عن مستوياته التاريخية تحت ضغط قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع عوائد السندات، وتزايد توقعات تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
ورغم أن الذهب يعرف تاريخياً بأنه ملاذ آمن في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية، فإن التطورات الأخيرة كشفت عن تغير في أولويات الأسواق، إذ بات المستثمرون يركزون بصورة أكبر على مسار أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية، وهو ما فرض ضغوطاً متزايدة على المعدن النفيس، وسط استمرار رهانات المؤسسات المالية على تعافيه في الأجل الطويل.
ووفق قناة CNBC سجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية في وقت سابق من هذا الأسبوع أدنى مستوى لها في أكثر من سبعة أشهر، فيما تراجعت الأسعار 2.6% حتى الآن خلال الأسبوع.
الدولار والفائدة… العاملان الأكثر تأثيراً
ويرى محللون في تقارير لرويترز وبلومبرغ، أن المحرك الأساسي وراء موجة الهبوط الأخيرة يتمثل في التحول الواضح في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، إذ أدى ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى تعزيز احتمالات إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها مجدداً، ما انعكس في صعود الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة، الأمر الذي قلل جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يحقق عائداً للمستثمرين.
كما أوضحت “وول ستريت جورنال”، أن ارتفاع الدولار رفع تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، في حين دفعت العوائد المرتفعة العديد من المستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو السندات والأصول المدرة للدخل بدلاً من الاحتفاظ بالذهب.
لماذا لم يستفد الذهب من التوترات الجيوسياسية؟
خلال السنوات الماضية كان أي تصعيد سياسي أو عسكري يدفع أسعار الذهب إلى الارتفاع سريعاً، إلا أن المشهد تغير خلال الأشهر الأخيرة، حيث أصبحت الأسواق تنظر إلى انعكاسات هذه الأزمات على التضخم والسياسة النقدية أكثر من تركيزها على دور الذهب التقليدي كملاذ آمن.
وبحسب وكالة بلومبرغ، فإن المستثمرين باتوا يعتقدون أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط على أسعار الذهب بدلاً من دعمها.
خروج المستثمرين يزيد الضغوط
ولم تقتصر الضغوط على قوة الدولار، بل امتدت إلى تراجع تدفقات الاستثمار نحو صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب (ETF)، حيث شهدت هذه الصناديق عمليات بيع وجني أرباح بعد موجة الارتفاع الكبيرة التي سجلها المعدن خلال الأعوام الماضية.
ووفق تحليل صادر عن المجموعة المصرفية الهولندية العالمية المتخصصة في الأبحاث الاقتصادية والأسواق المالية ING، فإن ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار دفعا المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية، ما أدى إلى تراجع الطلب المالي على الذهب، رغم استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي عالمياً.
البنوك المركزية… صمام الأمان للسوق
ورغم الضغوط الحالية، لا تزال البنوك المركزية تشكل أحد أهم مصادر الدعم لسوق الذهب.
فقد أظهر استطلاع مجلس الذهب العالمي أن أغلبية البنوك المركزية تتوقع زيادة احتياطاتها من الذهب خلال السنوات المقبلة، فيما يعتزم عدد كبير منها مواصلة شراء المعدن النفيس، بهدف تنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
وأشار المجلس إلى أن مشتريات البنوك المركزية بلغت خلال السنوات الأخيرة مستويات تاريخية، وهو ما يعد عاملاً هيكلياً يدعم أسعار الذهب على المدى الطويل، حتى وإن تعرضت الأسعار لضغوط مؤقتة.
الصين والهند… تباطؤ في الطلب
وشهد الطلب الاستثماري والاستهلاكي في الصين والهند، أكبر سوقين للذهب في العالم، تباطؤاً خلال الفترة الأخيرة.
وأرجعت بلومبرغ ذلك إلى ضعف النشاط الاقتصادي في الصين، إضافةً إلى الإجراءات التي اتخذتها بعض البنوك الصينية للحد من تداول الأفراد في المعادن النفيسة، بهدف تقليص المخاطر، بينما ساهمت الضرائب المفروضة على واردات الذهب في الهند في الحد من الطلب المحلي.
ويرى خبراء أن هذه العوامل ساهمت في تقليص أحد أهم مصادر الدعم التقليدية لأسعار الذهب خلال الأشهر الماضية.
هل انتهت قصة الذهب؟
رغم خفض عدد من المؤسسات المالية العالمية توقعاتها قصيرة الأجل، فإن النظرة بعيدة المدى لا تزال إيجابية.
فقد خفضت غولدمان ساكس ويو بي إس ودويتشه بنك وING، توقعاتها للأسعار خلال الأشهر المقبلة نتيجة استمرار قوة الدولار وارتفاع الفائدة، إلا أنها أكدت في الوقت نفسه أن الطلب المستمر من البنوك المركزية، واستمرار تنويع الاحتياطيات العالمية، وارتفاع مستويات الدين العام في الاقتصادات الكبرى، عوامل ستبقي الذهب أحد أهم أدوات التحوط في النظام المالي العالمي.
كما توقع جي بي مورغان أن يؤدي استمرار الطلب الرسمي إلى دعم الأسعار خلال السنوات المقبلة، مع إمكانية استعادة المعدن جزءاً من مكاسبه عندما تبدأ البنوك المركزية الكبرى في تخفيف سياساتها النقدية.
مرحلة تصحيح أم بداية مسار جديد؟
ويرى معظم المحللين أن ما يشهده الذهب حالياً أقرب إلى تصحيح سعري بعد موجة صعود استثنائية، وليس انهياراً دائماً في مكانته كملاذ آمن.
ففي المدى القصير ستظل تحركات الذهب مرتبطة بمسار الدولار الأمريكي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، ومستويات التضخم، بينما سيبقى الطلب الرسمي من البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية والدين العالمي المرتفع عوامل دعم رئيسية على المدى الطويل.