بروكسل-سانا
تُكثّف دول الاتحاد الأوروبي جهودها لمواجهة تداعيات الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناتج عن اضطراب الإمدادات العالمية بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وإقدام طهران على إغلاق مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، تقود فرنسا تحرّكاً واسعاً لتعزيز ما تصفه بـ “الاستقلالية الطاقية الأوروبية”، باعتبارها خياراً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى الحد من اعتماد القارة على مصادر الطاقة الخارجية.
وارتفعت أسعار الطاقة في منطقة اليورو بنسبة 4.9% خلال آذار الماضي، ما أسهم في صعود التضخم فوق هدف البنك المركزي الأوروبي، في مؤشر واضح على انتقال أثر الحرب في الشرق الأوسط إلى الاقتصاد الأوروبي بشكل مباشر.
تنسيق أوروبي لتفادي تفاقم الأزمة
وعقد وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي قبل أيام اجتماعات تنسيقية لبحث تداعيات اضطراب أسواق النفط والغاز، نتيجة التوتر في منطقة الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا لأكثر من 70% منذ نهاية شباط مع تصاعد الحرب.
وتركزت المشاورات الأوروبية على الحفاظ على استقرار إمدادات النفط والغاز، وتفادي استجابات منفردة تربك السوق الأوروبية، وتسريع ملء مخزونات الغاز قبل الشتاء القادم، وحماية أسواق المشتقات النفطية مثل الديزل ووقود الطائرات.
وتأتي هذه الاجتماعات ضمن تحركات أوسع لتنسيق سياسة أوروبية موحدة في مواجهة ما بات يوصف بأنه أخطر اضطراب في أسواق الطاقة منذ سنوات.
بروكسل تحذر من “صدمة طاقة طويلة”
وفي مؤشر على حجم القلق الأوروبي، حذر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن من أن القارة تستعد لـ “صدمة طاقة طويلة الأمد”، مؤكداً أن أسعار الطاقة مرشحة للبقاء مرتفعة لفترة طويلة مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس خيارات متعددة، بينها استخدام المخزونات الاستراتيجية، وإجراءات ترشيد استهلاك الوقود، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء.
فرنسا تدفع نحو الاستقلالية الأوروبية
وضمن هذا السياق، تقود فرنسا نقاشاً داخل الاتحاد الأوروبي حول ضرورة تعزيز “السيادة الطاقية الأوروبية”، باعتبارها الرد الاستراتيجي على تكرار أزمات الإمدادات العالمية.
وأكدت الحكومة الفرنسية مطلع نيسان الجاري، عند إطلاق مناقصات طاقة متجددة بقدرة 12 غيغا واط، أن الخطوة تأتي في إطار تقليل الاعتماد على واردات النفط والغاز وتعزيز قدرة أوروبا على مواجهة صدمات الإمدادات المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية، بما فيها اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتسعى باريس إلى تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، ودعم الصناعة الأوروبية في قطاع الطاقة، إضافة إلى تقليل الاعتماد على الواردات العابرة للممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز، فضلاً عن حماية القطاعات الصناعية الأكثر استهلاكاً للطاقة.
وتبرز هذه التحركات في وقت تتعرض فيه قطاعات صناعية فرنسية رئيسية مثل الكيميائيات والمعادن والزجاج والبلاستيك، لارتفاع تكاليف الطاقة بنسبة وصلت إلى 40% نتيجة الأزمة الحالية، كما نشرت صحيفة لوموند الفرنسية.
اجتماعات أوروبية بشأن هرمز
وناقشت المفوضية الأوروبية مع الدول الأعضاء، إجراءات الاستعداد لاحتمال استمرار تعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، مع التأكيد على ضرورة تنسيق الاستجابة الأوروبية وتعزيز تبادل المعلومات بين الحكومات والأسواق.
كما دعت المفوضية إلى اتخاذ إجراءات مبكرة لضمان أمن إمدادات النفط والمنتجات المكررة في ظل استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط.
أدوات أوروبية جديدة لاحتواء الأسعار
بالتوازي مع ذلك، كلف القادة الأوروبيون المفوضية بإعداد حزمة إجراءات مؤقتة لحماية الاقتصاد الأوروبي من موجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب، وسط تحذيرات من استمرار تقلب الأسواق طالما استمر التصعيد العسكري في المنطقة.
كما تبحث عدة دول أوروبية فرض ضريبة استثنائية على أرباح شركات الطاقة للمساهمة في تخفيف العبء عن المستهلكين، وتقليل أثر التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود.
ويأتي هذا التحرك الأوروبي في ظل تصاعد المخاوف من استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في منظومة الطاقة الدولية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الأزمة الحالية، تعيد التأكيد على ضرورة تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، وتعزيز استقلالية القرار الطاقي الأوروبي، لتقليل التأثر بالصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.