دمشق-سانا
حفل اليوم الثاني من مهرجان أيام الثقافة الكردية، المقام في مجمع دمر الثقافي بدمشق، بأمسية أدبية غنية تنوّعت بين الشعر والقصة القصيرة، حيث قدّم نخبة من الأدباء الكرد مساء اليوم الخميس قصائد من نظمهم، إلى جانب قراءات لأعمال كبار الشعراء الكرد الراحلين.
أمسية شعرية تستحضر التراث الكردي
افتتح عصمت رمضان الأمسية بقصيدة للشاعر الكردي ملاي جزيري (1645)، الذي خلد العشق الإلهي في دواوينه، مستذكراً أبياتاً تعبّر عن الشوق والوجد.

وألقى الشاعر عبد الصمد حسن محمود أحد أوائل من نظموا الشعر الكردي في سوريا مجموعة من قصائده، منها سيروز وقميص الآن التي وصف فيها راية النصر والشهداء وحقول الوطن، ثم قصيدته نهر، وتغنّى بعدها بمدينة القامشلي في قصيدته قامشلو قائلاً في مطلعها: “الصوت يعلو من قامشلو… هي الجامعة والمدرسة، هي القصيدة والرواية”.
كما قدّم قصيدته حلم كفيف التي كتبها خلال اعتقاله في أحد أفرع الأمن في زمن النظام البائد، وقد عبّر عن سعادته بإلقائها اليوم بحرية ومن قلب العاصمة دمشق.
تلت ذلك مشاركة الشاعر الشاب دليار صلاح الدين حبيب، الحاصل على جائزة أفضل شاعر شاب في الجامعة وصاحب أربعين قصيدة، والذي يعمل حالياً على إصدار كتاب جديد، حيث قدّم قصيدة رثاء تجسّد ألم فراق محبوبته التي استشهدت في سبيل الحرية، ثم ألقى قصيدته طريق الغرباء التي وصف فيها لقاء المحبوبين كالغرباء حين يحكم القلب، قائلاً: “فلتذهبي… وأنا أنظر إلى خلفي، ربما تلتفتين إليّ وأودعك”.

كما استعاد عبد المجيد خلف إرث الشعر الكردي عبر قراءات من أعمال الشاعر المعاصر جكر خوين (1903–1984)، ومنها قصيدة يقول في مطلعها: “كالهواء أجوب وطنك أيتها المعشوقة… أتطلع إلى القصور والأمكنة والدور والقلاع”.
واستذكر أيضاً الشاعر والفيلسوف أحمد خاني، صاحب الملحمة الخالدة “مم وزين”، التي نقشت قصة حب أزلية في الذاكرة الكردية، وعكست تاريخاً وثقافة غنية أثرت الأدب الكردي عبر الأجيال.
واختُتمت الأمسية الشعرية بقصائد الشاعرة أناهيتا سينو، التي تكتب باللغتين الكردية والعربية، ولها أعمال منشورة وإصدارات في اللغتين، وتعمل حالياً على إطلاق ديوانها الكردي الجديد، وقدّمت قصيدتين بعنوان “انتظرني” و”سأحاول”، لاقت تفاعلاً من الحضور.
قصص قصيرة تعكس صراع الإنسان مع الألم والشك
وبالانتقال إلى سياق القصة القصيرة تروي الكاتبة لمعة علي في قصتها القصيرة “المقبرة” حكاية زينب، الفتاة التي تُعتقل بعد استدعائها للتحقيق بشأن زوجها آزادو، تجد نفسها في قبو معتم يشبه المقبرة، تغمره رائحة الموت وتنتشر فيه الجثث والديدان، تتعرض زينب لأقسى أشكال التعذيب النفسي والجسدي، وتُستجوب مراراً حول زوجها، فيما يتدهور بصرها وتخور قواها يوماً بعد يوم.

على مدى ستة وأربعين يوماً، تلتقي بمعتقلين آخرين يروون لها مآسيهم قبل أن يلفظوا أنفاسهم بين يديها، ما يزيد شعورها بالعزلة واليأس، تتشبث بذكريات ابنتها الصغيرة أفان، وبخيط رفيع من الأمل في النجاة، وفي النهاية، تُنقل فجأة إلى غرفة تشبه المستشفى، فتتساءل إن كانت قد ماتت أم أُطلق سراحها، تاركة مصيرها معلّقاً بين الخلاص والضياع.
لمعة علي من مدينة القامشلي، درست الأدب الكردي، وتعمل في كتابة الشعر والقصة والبحث الأدبي والرواية، ولها أربعة كتب مطبوعة.
أما محمد سعيد ملا سعيد، فيقدّم في قصته “الأعلى والأفقي” رحلة رجل مع نسيبه أثناء توجههما إلى المدينة لحل نزاع على أرض، في الطريق يظهر لهما راعٍ مسنّ، أنيق المظهر، واسع المعرفة بأهل القرى والعشائر، يبدأ حديثه بودّ، يسأل عن أصلهما، ويشاركهما قصصاً عن شبابه والزراعة والتجارة، ما يدفع الرجل إلى الاطمئنان إليه وكشف تفاصيل رحلتهما.

لكن نسيبه يفقد وعيه للحظات ثم يستيقظ مرتبكاً، فيرتفع التوتر، يعرض الراعي مساعدته، ويمنحهما ورقة وتوصية غامضة لمسؤول في المحكمة، مؤكداً معرفته بعائلة الرجل ووالده وجده، بعد رحيله، ينفجر نسيب الرجل غضباً، معتبراً أن الراعي ليس كما يبدو، وأن أناقته ومعرفته الواسعة لا تشبه الرعاة، محذّراً من أن الحديث معه قد يورطهما في مشكلة، بينما يصر الرجل على أن نسيبه يبالغ في الشك.
تنتهي القصة بصراع بين الثقة والريبة، وبسؤال مفتوح حول الهوية الحقيقية لذلك الراعي الغامض.
محمد سعيد ملا سعيد مهتم بالشأن القرائي والكتابي، وله في العربية سبع مجموعات قصصية وستة نصوص مسرحية، وفي الكردية مجموعتان قصصيتان ومجموعة قصص مسرحية، أصدر أول مجموعاته عام 1999 بعنوان “تطير أفقاً من مطر”، وله أيضاً أشعار بالعربية والكردية.
ويتضمن المهرجان الذي يستمر حتى الـ 17 من أيار الجاري عروضاً مسرحية وسينمائية ومحاضرات وشعراً ودبكات شعبية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحضور الثقافي الكردي وإبراز مساهمته في المشهد الثقافي السوري، على أن تبدأ جميع الفعاليات يومياً عند الساعة السادسة مساءً.


