دمشق-سانا
خلال سنوات الثورة التي عاشها السوريون، نشأت خارج البلاد عشرات دور النشر التي اضطلعت بدور ثقافي بارز في الحفاظ على الحضور الفكري والأدبي السوري، في ظل اضطرار القائمين عليها إلى العمل في المنفى نتيجة مواقفهم الفكرية المعارضة للنظام البائد.
وفي تلك المرحلة، لم يعد الكتاب مجرد منتج ثقافي، بل تحول إلى وسيلة صمود وحفظ للهوية الوطنية، وأداة للتعبير الحر عن الواقع السوري، ومساحة لإيصال الصوت الثقافي في مواجهة ظروف القطيعة والشتات.
ومن بين هذه التجارب، تبرز “دار الرموز العربية للنشر والتوزيع” بوصفها مشروعاً ثقافياً نشأ في الخارج، قبل أن يعود إلى سوريا حاملاً رؤية تتجاوز النشر التقليدي، نحو بناء الإنسان وإعادة الاعتبار للكتاب كأداة وعي وتأثير.
من المنفى إلى الداخل… حكاية تأسيس ورؤية مشروع

تأسست دار الرموز العربية في مدينة بورصة التركية سنة 2015، في مرحلة كان فيها المشهد الثقافي السوري، يعيش حالة نزوح وتشتت، وجاءت الفكرة استجابة لحاجة ملحّة لإعادة تجميع الصوت الثقافي خارج حدوده الجغرافية، ومنح الكتّاب منصة تحفظ نتاجهم وتوصله إلى القارئ.
مؤسس الدار، الباحث ياسين جاسم، يؤكد في حديث مع سانا الثقافية أن المشروع لم ينطلق بدافع تجاري بحت، بل من قناعة راسخة بأن الكتاب يمثل خط الدفاع الأخير عن الهوية، وأن انهيار الثقافة يسبق انهيار كل شيء، فانطلقت رؤية الدار على ثلاث ركائز أساسية: الحفاظ على اللغة والهوية العربية، وتعزيز الوعي، وتحويل الكتاب إلى أداة تأثير حقيقية في المجتمع.
ومع تطور التجربة، انتقلت الدار من مرحلة التأسيس وبناء العلاقات مع المؤلفين، إلى التوسع عبر المشاركة في المعارض الدولية والحصول على وكالات نشر، وصولاً إلى إطلاق مشاريع متعددة، قبل أن تتجه نحو التحول إلى مؤسسة ثقافية متكاملة تجمع بين النشر والتوزيع والمحتوى التعليمي.
العودة إلى سوريا، بعد التحرير بحسب جاسم، لم تكن مجرد قرار إداري، بل خيار طبيعي فرضته الحاجة الثقافية داخل البلاد، حيث يصبح تأثير الكتاب أكثر مباشرة، وتغدو مهمة إعادة بناء الإنسان أكثر إلحاحاً.
تحديات الواقع… بين صعوبات النشر وإصرار الاستمرار
يشير جاسم إلى أن تجربة الانتقال إلى سوريا لم تكن سهلة، إذ واجهت الدار جملة من التحديات، بدءاً من الصعوبات اللوجستية وضعف البنية التحتية، وصولاً إلى ظاهرة التزوير والقرصنة، وضعف القوانين الناظمة لقطاع النشر، التي عرفتها صناعة النشر في سوريا منذ زمن طويل جراء سياسات النظام البائد، إلى جانب التحديات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.
ورغم ذلك، يرى جاسم أن هذه الصعوبات تقابلها مؤشرات إيجابية، أبرزها وجود تعطش حقيقي للكتاب، وبيئة قابلة لاستعادة الفعل الثقافي، ويختصر هذه المفارقة بالقول: إن العمل في الداخل “أصعب… لكنه أكثر صدقاً”.
وتندرج هذه التحديات، وفق رؤيته، ضمن ما يمكن وصفه بـ “معركة ثقافية مستمرة”، لا تقتصر على إنتاج الكتب، بل تشمل الدفاع عن قيم المعرفة، ومواجهة تراجع الاهتمام بالقراءة، والعمل على استعادة مكانة الكتاب في حياة الناس.
من الإصدارات إلى المستقبل… نحو كتاب حاضر في كل بيت
قدمت دار الرموز العربية مجموعة متنوعة من الإصدارات، شملت الكتب الفكرية، والروايات العربية المعاصرة، وكتب التربية الإسلامية، إلى جانب مشاريع موجهة لليافعين مثل “اعرف نبيك”، و”المفسر الصغير”، و”يا بني كن صحابياً”.
كما عملت الدار وفقاً لجاسم على نشر وتوزيع أعمال لعدد من الكتّاب العرب، من بينهم أيمن العتوم، أدهم شرقاوي، كريم الشاذلي، أنس الدغيم، وجاسم سلطان، في إطار سعيها لتقديم محتوى يجمع بين القيمة الفكرية والتأثير المجتمعي.
وفي اختيارها للأعمال، تعتمد الدار معايير دقيقة، تتقدمها الأصالة والقيمة الفكرية وجودة اللغة، إضافة إلى ارتباط المحتوى بقضايا الواقع وقدرته على التأثير في القارئ، ضمن رؤية تقوم على “التكامل الثقافي” في بناء الإنسان، بعيداً عن التخصص الضيق.
أما في المرحلة المقبلة، يكشف جاسم عن مساعي الدار إلى توسيع شبكة التوزيع داخل سوريا، ودعم المؤلفين الجدد، وإطلاق مبادرات قراءة موجهة للشباب، إلى جانب التوجه نحو المحتوى الرقمي وتنظيم الفعاليات الثقافية، والعمل على تطوير آليات لمكافحة التزوير.
ويؤكد جاسم في ختام حديثه أن الهدف يتجاوز النشر بوصفه نشاطاً مهنياً، ليصل إلى مشروع ثقافي أوسع، قوامه أن يكون الكتاب حاضراً في كل بيت، وأن يتحول الوعي إلى قاعدة لبناء المجتمع.
وتمثل عودة دور النشر التي نشأت خارج البلاد مؤشراً مهماً على بدء تعافي المشهد الثقافي، بعد سنوات من التحديات التي انعكست على صناعة الكتاب وعمليات إنتاجه وتوزيعه.