دمشق-سانا
يُعدّ الدكتور محمود الربداوي أحد أبرز أعلام اللغة العربية والأدب والنقد، وقد مثّلت مسيرته الأكاديمية الممتدة لعقود محطة مهمة في تطوير الدراسات اللغوية والنقدية في الجامعات العربية، حيث أسهم عبر تدريسه وأبحاثه ومؤلفاته في إثراء المكتبة العربية، وتخريج أجيال من الباحثين.
وغيّب الموت الراحل يوم السبت الـ 18 من نيسان 2026، بعد مسيرة علمية وأكاديمية طويلة، ترك خلالها إرثاً معرفياً غنياً من المؤلفات والدراسات التي عززت حضور اللغة العربية، وأسهمت في ترسيخ البحث اللغوي في الأوساط الأكاديمية.
مسيرة أكاديمية وعلمية رائدة
وُلد الراحل عام 1932 في بلدة طفس بمحافظة درعا، وتخرّج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة العربية، حيث واصل دراساته العليا حتى نال درجة الدكتوراه، وبدأ مسيرته الأكاديمية أستاذاً في كلية الآداب، وتدرّج في مناصبها حتى تولّى رئاسة قسم اللغة العربية ثم عمادة الكلية.
كما درّس في عدد من الجامعات العربية، ولا سيما في الجزائر والمملكة العربية السعودية، حيث امتدت تجربته التعليمية نحو خمسة عشر عاماً، أسهم خلالها في تأهيل أجيال من الباحثين والدارسين في مجال اللغة العربية والدراسات الأدبية.
إسهامات في التعريب والعمل الثقافي
كان الراحل من أبرز رجالات التعريب في الجزائر، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، إلى جانب عضويته في اتحاد الكتاب العرب ونقابة المعلمين، كما تولّى رئاسة تحرير مجلة «التراث العربي»، وأسهم في الارتقاء بها لتغدو منبراً علمياً محكماً، وشارك في عدد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل سوريا وخارجها.
نتاج علمي ثري
ترك الدكتور الربداوي إرثاً علمياً غنياً تنوّعت موضوعاته بين النقد واللغة والأدب، وأسهم من خلاله في إثراء المكتبة العربية بمؤلفات شكلت مرجعاً للباحثين والدارسين في مجالات متعددة من الدراسات الأدبية واللغوية.
ومن أبرز مؤلفاته: «الحركة النقدية حول أبي تمام» (في جزأين)، «الفن والصنعة في مذهب أبي تمام»، «ابن حِجّة الحموي شاعراً وناقداً»، «المتخيّر من النقد العربي»، «معجم المصطلحات النقدية والأدبية»، «كشّاف العبارات النقدية والأدبية في التراث العربي»، «دراسات في الأدب واللغة والحضارة»، «التيارات والمذاهب الفنية في الشعر» (جزآن)، «انتشار اللغة العربية في القارات الخمس»، «دراسات في المصطلح والتداخل اللغوي»، «دراسات في النقد العربي القديم»، «دراسات في الأدب العربي الحديث»، «هل الجمال نعمة أم نقمة»، «علم الجمال وتطبيقاته في الشعر العربي والنثر والقرآن»، «اللغة العربية لغير المختصين»، «الوصايا»، و«ذهب الذين أحبهم».
أثر تربوي وإنساني
عرف الراحل أستاذاً ملهماً، جمع بين العلم الغزير والتواضع، وأسهم في ترسيخ منهج البحث العلمي لدى طلابه، من خلال تشجيعهم على الحوار والمناقشة والانفتاح على المصادر، ما جعله يحظى بمكانة خاصة في نفوس تلامذته وزملائه.
خسارة للثقافة العربية
برحيل الدكتور محمود الربداوي، تفقد الثقافة العربية واحداً من أعلامها الذين أفنوا حياتهم في خدمة اللغة العربية، وتعزيز حضورها العلمي والفكري، تاركاً إرثاً سيبقى مرجعاً للأجيال القادمة.
الربداوي العالم أستاذ وأخ
قال الدكتور علي أبو زيد أحد تلامذة الدكتور في تصريح لـ سانا: “كان الراحل أستاذاً ومشرفاً، ثم صديقاً وأخاً كبيراً، وقد عرفت فيه سعة العلم وكرم الخلق، وكان بيته مفتوحاً لطلابه كأنهم من أفراد أسرته”.
وأضاف: «امتلك الدكتور الربداوي رصيداً علمياً غنياً تجلّى في مؤلفاته وأبحاثه، وأسهم في إعداد أجيال من الطلبة في عدد من الجامعات العربية، وتميّز بسَمت العلماء ووقارهم، إلى جانب تواضع جمّ وأخلاق رفيعة جعلته قريباً من الجميع».
وتابع: «كان الراحل مثالاً للعالم المخلص للغته، مرابطاً في خدمة العربية ومدافعاً عنها حتى آخر أيامه، يؤدي رسالته بثبات واقتدار».