دمشق-سانا
يقدّم كتاب «نقد ثقافي أم نقد أدبي؟» للناقدين عبد الله محمد الغذامي وعبد النبي اصطيف، تجربة حوارية فكرية تتناول إشكاليات النقد العربي المعاصر، وتعيد طرح الأسئلة حول موقع النقد الأدبي في ظل صعود النقد الثقافي.
الكتاب الصادر ضمن سلسلة «حوارات لقرن جديد» يقوم على بنية حوارية تتوزع بين طرحين رئيسيين، يقدّم في كل منهما ناقد رؤيته النظرية، قبل أن يعقّب على أطروحة الآخر.
ويتمحور النقاش حول سؤال محوري: هل تجاوز النقد الثقافي حدود النقد الأدبي ليحلّ محله، أم إن الأخير لا يزال قادراً على مواكبة التحولات المعرفية؟ في هذا السياق، يطرح الغذامي رؤية بأن التحولات في العلوم الإنسانية أفرزت أفقاً نقدياً جديداً، بينما يتمسّك اصطيف بمشروعية النقد الأدبي بوصفه حقلاً معرفياً متجدداً.
النقد الثقافي… أفق بديل عند الغذامي
يرى الغذامي أن النقد الأدبي بلغ مرحلة من الاكتمال جعلته عاجزاً عن استيعاب التحولات الثقافية المعاصرة، نظراً لتركيزه على الجوانب الجمالية والبلاغية للنص، ويقترح، في المقابل، النقد الثقافي بوصفه منهجاً يتجه إلى كشف «الأنساق المضمرة» داخل الخطاب، أي تلك البنى الثقافية التي تمر عبر النصوص دون أن تخضع للفحص.
ويؤكد أن الخطاب الأدبي لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والسياسي، داعياً إلى قراءة تتجاوز حدود النص إلى منظومته الثقافية الأشمل، من خلال مفاهيم مثل النسق الثقافي والدلالة النسقية والتورية الثقافية.
كما يلفت الغذامي إلى دور الشعر العربي في تكريس أنماط من الوعي المرتبط بالسلطة والتراتبية، عبر ما يسميه «الشعرنة» حيث تتحول الخطابات إلى صيغ شعرية تمنحها شرعية رمزية داخل الثقافة.
الدفاع عن النقد الأدبي
في المقابل، يقدّم اصطيف دفاعاً منهجياً عن النقد الأدبي، مؤكداً أنه حقل معرفي متجدد استطاع عبر تاريخه أن ينفتح على اللسانيات والفلسفة والعلوم الإنسانية، ما مكّنه من تطوير أدواته باستمرار.
ويرى أن تحليل النص الأدبي يظل قائماً على فهم بنيته اللغوية والرمزية، وعلاقته بكل من المؤلف والقارئ والسياق الثقافي، كما يشدد على أن النقد الأدبي قادر على استيعاب البعد الثقافي للنص دون الحاجة إلى قطيعة منهجية معه.
ويحذّر من النقل غير المدروس لمفاهيم الدراسات الثقافية من سياقاتها الغربية إلى البيئة العربية، داعياً إلى قراءة نقدية واعية تأخذ خصوصية الثقافة العربية بعين الاعتبار.
تعقيبات متبادلة… تعميق للجدل
في تعقيبه، يعيد الغذامي التأكيد على أن التحولات الإعلامية والاجتماعية المعاصرة تستدعي أدوات تحليل تتعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة ثقافية شاملة، معتبراً أن التحليل الجمالي وحده لا يكفي لكشف البنى النسقية.
أما اصطيف، فيركّز على ضرورة الضبط المنهجي، محذّراً من تحوّل النقد الثقافي إلى قراءة أيديولوجية في حال غياب الأسس العلمية الدقيقة، ومؤكداً أهمية الحفاظ على مكتسبات النقد الأدبي.
يبرز الكتاب بوصفه مساحة حوار معرفي مفتوح، لا يسعى إلى حسم الجدل بقدر ما يختبر المفاهيم ويعيد طرح الأسئلة حول طبيعة النص ووظيفة النقد، ويؤكد الكتاب في مجمله أن العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي ليست علاقة إلغاء، بل مجال تفاعل وتكامل، يثري الحقل النقدي العربي ويعزز قدرته على مواكبة التحولات.
بين النقد الثقافي والنقد الأدبي: أعلام ورؤى
كتاب نقد ثقافي أم نقد أدبي؟ أعد ملحق التعاريف له الباحث محمد صهيب الشريف، وصدر عن دار الفكر في دمشق ودار الفكر المعاصر في بيروت.
الدكتور عبد الله محمد الغذامي ناقد وأكاديمي سعودي بارز، يُعد من أبرز رواد النقد الثقافي في العالم العربي، اشتغل على تفكيك الأنساق الثقافية المضمرة في الخطاب، ودرّس في جامعة الملك سعود، وله مؤلفات مؤثرة أسهمت في تجديد الفكر النقدي العربي المعاصر.
أما الدكتور عبد النبي اصطيف فهو ناقد وأكاديمي سوري، ويعد من الأسماء البارزة في النقد الأدبي العربي الحديث، اشتغل على قضايا اللغة والسرد والنقد النظري، ودرّس في عدد من الجامعات السورية والعربية، وأسهم في تطوير الدراسات الأدبية عبر مؤلفاته وترجماته وحضوره في الحقل الثقافي العربي.