دمشق-سانا
شهد المركز الثقافي العربي في أبو رمانة فعالية ثقافية تمثلت بمحاضرة توثيقية حول تاريخ الإنشاد الديني في دمشق، ركزت على تطور هذا الفن عبر العصور وخصوصيته في البيئة الدمشقية، في إطار جهود لإحياء التراث الموسيقي الروحي والتعريف به لدى الأجيال الجديدة.

وخلال المحاضرة اليوم الأحد، أوضح الكاتب والإعلامي أحمد بوبس أن دمشق تمتلك تقاليد إنشاديه لا تشبه أي مدينة عربية أو إسلامية أخرى، مشيراً إلى أن الانطلاقة الفعلية للإنشاد الدمشقي تعود إلى نحو 300 عام مع الشيخ عبد الغني النابلسي، قبل أن يشهد هذا الفن تطوراً لافتاً في القرن العشرين.
وبيّن بوبس أن خمسينيات القرن الماضي شكلت مرحلة مفصلية في مسيرة الإنشاد، مع ظهور فرق بارزة مثل فرقة توفيق المنجد وسليمان داوود وسعيد فرحات، التي قدمت ألواناً متعددة من المدائح النبوية والابتهالات وأناشيد المناسبات الدينية، وأسهمت في ترسيخ هوية إنشادية خاصة بالمدينة.
وتطرّق بوبس إلى أسماء لامعة في تاريخ الإنشاد الدمشقي، من بينها مسلم بيطار الذي برز في أواخر الأربعينيات كمنشد وملحن، وامتلك فرقة خاصة به، إضافة إلى سعيد فرحات الذي خرج أجيالاً من المنشدين.
وفي تصريح لمراسل “سانا”، أكد بوبس أن الهدف من الفعالية هو “تعريف الأجيال الجديدة بالإنشاد الديني الراقي والنظيف”، داعياً الفرق المعاصرة إلى العودة للجذور الفنية الأصيلة والابتعاد عن الطابع التجاري الذي يطغى على بعض الأعمال الحديثة.
من جهته، أشار عبد الرحمن قصص، مدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية، إلى أن المحاضرة قدّمت رؤية بحثية متكاملة، لافتاً إلى أهمية إدراج جانب علم الأصوات في دراسة الإنشاد، باعتباره علماً يرتبط بالمقام والطبقة والوزن، إضافة إلى عنصر الصوت الذي يشكل بُعداً مستقلاً.
وقدم قصص تصنيفات دقيقة لطبقات أصوات أبرز المنشدين الدمشقيين، مثل صوت “فرخة” لمسلم بيطار، و”سكري” لحسن فرحات ومحمد فؤاد خان طوماني، و”نحاسي” لحسن أديب، و”بدوغا” لحمزة شكور، إضافة إلى طبقة “سوبرانو كولرادو” لتوفيق المنجد، وغيرها من الخامات الصوتية المميزة.
كما نوّه بوجود فرق حالية تحافظ على الأصالة والوزن الموسيقي الصحيح، مثل فرق أبو أسامة عارف العسلي وأبنائه، وسليم عبده العقاد، ومصطفى كريم، التي تلتزم بالأسلوب التقليدي دون استخدام آلات إيقاعية غربية أو زخارف صوتية دخيلة.
وتأتي هذه الفعالية ضمن جهود متواصلة لإحياء التراث الموسيقي الديني وتقديمه بوصفه جزءاً من الهوية الثقافية السورية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الفني.


