دمشق-سانا
أفرز التطور المتسارع في التقنيات الرقمية أنماطاً جديدة للدعم النفسي، أسهمت في توسيع نطاق الخدمات العلاجية وتجاوز الحواجز الجغرافية والاجتماعية، ولا سيما في ظل تزايد الضغوط النفسية التي يعاني منها الأفراد نتيجة التحولات المتسارعة والأزمات المتراكمة.
وأصبحت منصات الدعم النفسي عبر الإنترنت خياراً متاحاً وفعّالاً، يوفّر بيئة آمنة وسرّية تلبّي احتياجات المتعالجين وتسهم في تعزيز الاستقرار النفسي، حيث برز العلاج النفسي عن بُعد كأحد الحلول الحديثة التي تجمع بين الخصوصية والمرونة وسهولة الوصول، ما أتاح لشرائح واسعة الاستفادة من الخدمات النفسية دون عوائق، وأسهم في كسر الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي.
تعزيز الاستقرار النفسي
في هذا السياق، أوضحت الدكتورة مي العربيد، اختصاصية الصحة النفسية، أن الوعي المجتمعي بدور الدعم النفسي الرقمي يسهم في تعزيز الاستقرار النفسي وتخفيف الأعباء النفسية المتراكمة، مبينةً أن التطور التكنولوجي أوجد حلولاً بديلة وفعالة لمواجهة الضغوطات النفسية المتزايدة، حيث باتت منصات الدعم الرقمي تلعب دوراً محورياً في إعادة ترميم الذات المضطربة، مع ضمان أعلى مستويات الخصوصية والسرية للمتعالجين.
كسر حاجز الرهبة وبناء الثقة
لفتت العربيد خلال حديثها لـ سانا إلى أن الشعور بالرهبة في الجلسات الأولى خلف الشاشات هو حالة اعتيادية يتم تجاوزها من خلال طمأنة المتعالج وتأكيد مبدأ الخصوصية، لافتةً إلى أن الجلسات الافتتاحية تركز على الجانب التقييمي عبر أسئلة عامة تشمل مجالات العمل والعلاقات الاجتماعية لتحديد المعاناة الحقيقية ووضع البرنامج العلاجي المناسب، مع تحويل الحالات التي تستدعي تدخلاً طبياً إلى الأطباء المختصين.
لغة الجسد في الفضاء الرقمي
حول غياب لغة الجسد في التواصل عن بعد، بيّنت العربيد أن البرامج الحديثة مثل غوغل ميت وزوم أتاحت فرصة التواصل مع أكبر عدد من المحتاجين، حيث توفر التكنولوجيا رؤية الوجه والكتفين، وهو ما يعد كفيلاً برصد المشاعر المرتسمة على ملامح المتعالج وقراءة ما في داخله عبر التواصل البصري، ما يعزز جودة التشخيص والدعم النفسي رغم البعد الجغرافي.
التوعية المجتمعية
شددت العربيد على أن التوعية بضرورة الدعم النفسي لم تعد خياراً ثانوياً، بل هي ركيزة أساسية لبناء مجتمع متعافٍ، داعيةً إلى تضافر الجهود لنشر الوعي وتبديد الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
وأشارت إلى أن فهم المجتمع لأهمية هذا النوع من الدعم يسهم في الكشف المبكر عن الأزمات قبل تفاقمها، وأن الاعتراف بالحاجة إلى مساعدة مختص هو أولى خطوات القوة والترميم الذاتي، لأن الصحة النفسية تساوي في أهميتها الصحة الجسدية.
الأمان الرقمي والتقنيات التفاعلية
لفتت العربيد إلى أن الأمان الرقمي يعد ركيزة أساسية في نجاح هذه التجربة، حيث تتم الجلسات عبر روابط خاصة ومحمية لا يمكن اختراقها، كما يتم تعزيز العلاج بأدوات رقمية تفاعلية تشمل فيديوهات توضيحية، وتطبيقات تخصصية لمراقبة الحالة قبل وبعد، إضافة إلى الواجبات المنزلية التي ترافق الشخص خلال فترة علاجه وتضمن استمرارية العملية العلاجية.
ضرورة مجتمعية
بينت العربيد أن الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية وما خلفته من دمار واعتقالات، أفرزت أزمات نفسية متعددة ترهق كاهل الناس، ما استدعى وجود حلول مرنة كالطب النفسي أون لاين للوصول بصحة الفرد إلى حالة الاستقرار، ولا سيما أن أغلب الأمراض الجسدية تعود في منشئها إلى أسباب نفسية.
وختمت العربيد حديثها بالدعوة إلى مراقبة المؤشرات النفسية من حيث الشدة والمدة والتكرار لطلب المساعدة المختصة فوراً، معتبرةً أن الدعم الرقمي كسر حواجز الحرج والمسافات، ما أتاح للأفراد تلقي العلاج والحفاظ على سرية معلوماتهم حتى لو كان التواصل يتم بين معالج ومتعالج من بلدين مختلفين.
يذكر أن منصات الدعم الرقمي هي وسائل وتقنيات إلكترونية تُستخدم لتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والصحي عن بُعد، عبر الإنترنت، بطريقة آمنة وسرّية، دون الحاجة إلى الحضور الشخصي.