دمشق-سانا
في الثامن من كانون الأول عام 2024، لم يكن المشهد السوري أمام تحول سياسي فقط، بل أمام بداية مرحلة جديدة طالت مختلف مؤسسات الدولة ووظائفها، وكان الإعلام في مقدمة القطاعات التي وجدت نفسها أمام استحقاق إعادة تعريف دورها وعلاقتها بالجمهور.
وفي قلب هذا التحول، برزت وكالة الأنباء السورية “سانا” أمام تحدٍّ يتجاوز تغيير الإدارة والأشخاص إلى إعادة بناء نموذج العمل الإعلامي نفسه، بما يواكب سوريا الجديدة ويقترب من السوريين وقضاياهم، ويمنح الخبر والمعلومة مساحة أكبر في صناعة المحتوى.
وخلال المرحلة التي أعقبت سقوط النظام البائد، شهد أداء الوكالة تحولات لافتة شملت المضمون والخطاب الإعلامي وآليات إنتاج الخبر والتغطية الميدانية، إلى جانب تطور العمل الفني والتقني والهوية البصرية، في محاولة للانتقال من نموذج إعلامي تقليدي إلى منتج إخباري أكثر سرعة وتنوعاً وحضوراً.
نحو إعلام يضع المواطن في مركز الصورة
لعل أبرز التحولات التي يمكن رصدها في تجربة “سانا” الجديدة يتمثل في إعادة ترتيب أولويات التغطية، بحيث لم يعد الخبر محصوراً في نشاطات المسؤولين والمؤسسات الرسمية، بل اتسعت مساحة الموضوعات المرتبطة بحياة السوريين اليومية وقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والخدمية وتحدياتهم داخل البلاد وخارجها.
هذا التحول يلمسه مواطنون تابعوا أداء الوكالة خلال الفترة الماضية، ويرى المهندس المعماري فراس محمد حسن (سوري في السعودية) أن “سانا” أصبحت، منذ التحرير، أقرب إلى الواقع وأكثر موضوعية ومهنية، معتبراً أن الفارق بين أدائها الحالي وما كانت عليه في عهد النظام البائد واضح، ولا سيما لجهة طبيعة الخطاب الإعلامي.
ويقول حسن: إن الوكالة باتت تعكس صورة “سوريا الحديثة وسوريا التي نريدها”، بعدما كان دورها سابقاً، بحسب وصفه، مرتبطاً بتمجيد السلطة.
ويرى صفوان البركومي، صاحب محل خضار (سوري في الأردن)، أن “سانا” أصبحت أكثر اهتماماً بأوجاع السوريين، سواء المقيمين داخل البلاد أو خارجها، وباتت تناقش معاناتهم وقضاياهم، مشيراً إلى أن أبرز ما تغير هو نقل “الكلمة الحقيقية” بعيداً عن التزييف.
ولا يقتصر هذا التغير على الموضوعات، بل يمتد إلى طريقة النظر إلى المواطن نفسه، من متلقٍ للأخبار إلى مصدر أساسي للمعلومة وشريك في صناعة القصة الصحفية.
الخبر أولاً.. ثم قراءة الحدث
ولا يقتصر التحول على اختيار الموضوعات، بل يطال طريقة إنتاج الخبر وبنائه وتقديمه إلى الجمهور.
فبعد أن كان الإعلام الرسمي قبل التحرير يتحرك ضمن إطار الموقف السياسي الذي يحدد زاوية تناول الحدث، تبدو التجربة الجديدة أكثر تركيزاً على نقل الوقائع والمعلومات، ثم وضعها في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ومن بلجيكا، يرى السوري أحمد مكية أن العام الذي أعقب سقوط النظام البائد شكّل مرحلة انتقالية بالنسبة إلى “سانا”، امتد فيها التغيير إلى آلية إنتاج الخبر نفسها.
ويشير مكية إلى فارق بين مرحلتين، ففي السابق كان الخبر يأتي لخدمة الموقف السياسي للسلطة، بينما أصبحت الأولوية الآن لنقل الحدث والمعلومة أولاً، ثم تقديم الموقف أو السياق المتعلق بها، بما يمنح المتلقي فرصة أكبر لتكوين صورة عن الحدث وفهم أبعاده.
وترسيخ هذا التحول يمثل أحد شروط بناء إعلام إخباري مهني، لأن الثقة لا تقوم فقط على سرعة الوصول إلى الخبر، وإنما على الفصل بين نقل المعلومة وبين تفسيرها أو التعليق عليها.
مساحة أوسع لقضايا السوريين
وبالتوازي مع إعادة ترتيب أولويات الخبر، اتسعت مساحة التغطية لتشمل قضايا كانت أقل حضوراً في المشهد الإعلامي الرسمي.
وترى رغيد رزة، (سورية مقيمة في فرنسا)، أن التحول يبدو واضحاً في طبيعة الموضوعات التي تسلط “سانا” الضوء عليها، مشيرة إلى أن التركيز لم يعد منصباً بالدرجة نفسها على أخبار الرؤساء وتغييرات السلطة، وإنما أصبح أقرب إلى الشعب ومشكلاته واحتياجاته.
وتعتبر رزة أن مساحة التعبير أصبحت أوسع، وأن التركيز على قضايا السوريين يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الإعلامي.
ولا تتوقف أهمية هذا التحول عند زيادة عدد الموضوعات الاجتماعية، بل تتصل بإعادة تعريف مفهوم الخبر نفسه، فالخبر لم يعد بالضرورة ما يحدث داخل المؤسسات الرسمية، وإنما ما يمس حياة الناس ويؤثر في واقعهم، من الخدمات والاقتصاد والتعليم والصحة إلى قصص النجاح والمبادرات المجتمعية والتحديات اليومية.
وفي هذا السياق، ترى جهاد الحسن، (سورية مقيمة في هولندا)، أن “سانا” شهدت تطوراً ملحوظاً في تغطية قضايا المجتمع والبلاد، لكنها تشدد على أهمية مواصلة التطوير والتركيز أكثر على المشكلات الموجودة في الشارع السوري، إلى جانب إبراز قصص النجاح والفرص المتاحة داخل البلاد.
من نقل الخبر إلى صناعة منتج متكامل
التحول الذي شهدته “سانا” لم يكن في المضمون وحده، إذ طالت عملية التطوير أدوات إنتاج المحتوى وطريقة تقديمه.
فالتغطية الإخبارية الحديثة لم تعد تعتمد على النص وحده، وإنما على منظومة متكاملة تجمع الخبر والصورة والفيديو والتغطية الميدانية والمحتوى الرقمي، وهو ما فرض تطويراً متوازياً في عمل الأقسام الفنية، من التصوير والمونتاج إلى الإخراج والإنتاج الرقمي.
كما أن تطور أدوات التصوير والمونتاج والإنتاج المرئي يتيح للوكالة تقديم الحدث بصورة أكثر احترافية، والوصول إلى جمهور أوسع، ولا سيما الأجيال التي تتلقى جزءاً كبيراً من أخبارها عبر المنصات الرقمية.
وهنا تصبح التكنولوجيا جزءاً من التحول التحريري نفسه، فسرعة التصوير ونقل الصورة والمونتاج والنشر تعني قدرة أكبر على الحضور في قلب الحدث، بينما يتيح التطور البصري تقديم القصة بطريقة أكثر وضوحاً وتأثيراً.
هوية بصرية تواكب مرحلة مختلفة
كما أن إعادة بناء العلاقة مع الجمهور لا تنفصل عن الشكل الذي تظهر به المؤسسة أمامه، فالهوية البصرية للوكالة وطريقة عرض الأخبار والصور والفيديوهات تشكل جزءاً من الصورة الذهنية التي تتكون لدى المتلقي.
ومن هنا، يأتي تطوير الشكل البصري لـ”سانا” بالتوازي مع التحول في المضمون، إذ لم يعد المطلوب فقط أن تتغير الموضوعات، وإنما أن يرافق ذلك حضور بصري أكثر حداثة ووضوحاً، يعكس طبيعة المرحلة الجديدة ويجعل المحتوى أكثر قدرة على المنافسة في بيئة إعلامية شديدة التنوع.
استعادة الثقة.. المهمة الأصعب
ورغم التحولات التي يمكن رصدها في تجربة “سانا” خلال المرحلة الجديدة، فإن إعادة بناء الثقة تبقى عملية تراكمية لا تحسمها تغييرات الشكل أو الإدارة وحدها.
فالجمهور الذي عاش سنوات طويلة في بيئة إعلامية مرتبطة بشكل وثيق بالسلطة، وتسويق سياساتها، يحتاج إلى وقت ليرى التغيير في الأداء اليومي، وأن يلمس الفارق في طريقة التعامل مع الحقيقة، وفي سرعة تصحيح الأخطاء، وتعدد الأصوات، وحضور الصحفي في الميدان، وقدرة المؤسسة على نقل ما يحدث كما هو.
وتتقاطع شهادات السوريين داخل البلاد وخارجها حول أهمية استمرار هذا المسار؛ فبينما يلمس بعضهم تحولاً واضحاً في الخطاب والمضمون، يربط آخرون نجاح التجربة بقدرتها على مواصلة الاقتراب من الشارع، وتناول مشكلاته، وتوسيع مساحة التعبير وإبراز قصص السوريين المختلفة.
وهذا يعني أن التحدي أمام “سانا” لم يعد مجرد الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بل بناء نموذج مهني قادر على الاستمرار في بيئة إعلامية جديدة، تتعدد فيها المصادر وتتسارع فيها الأخبار.
“سانا”.. مساحة جديدة للحكاية السورية
بعد الثامن من كانون الأول 2024، دخلت “سانا” مرحلة مختلفة من تاريخها، وأصبح عليها أن تعيد صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها سوريا.
واللافت أن هذا التحول لا يظهر في جانب واحد، وإنما في منظومة متكاملة تبدأ من الخبر والمضمون، وتمر بطريقة اختيار الموضوعات وزوايا معالجتها، ولا تنتهي عند التصوير والمونتاج والإنتاج الرقمي والهوية البصرية.
وإذا كانت الشهادات التي قدمها سوريون من داخل البلاد وخارجها تعكس انطباعات إيجابية عن هذا المسار، فإنها في الوقت نفسه تضع أمام الوكالة مسؤولية مواصلة التطوير، لأن الإعلام المهني لا يكتسب مصداقيته دفعة واحدة، وإنما يبنيها خبراً بعد خبر وتغطية بعد أخرى.
وفي سوريا التي دخلت مرحلة جديدة، تبدو “سانا” في سياق إعادة تعريف نفسها، ليس باعتبارها مجرد ناقل رسمي للأحداث، وإنما مؤسسة إخبارية تسعى إلى أن تكون قريبة من الناس، حاضرة في الميدان، سريعة في نقل الحدث، دقيقة في تقديم المعلومة، وأكثر تنوعاً في تناول القضايا السورية والعربية والدولية.
فالمعركة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية في المرحلة المقبلة لن تكون على امتلاك الخبر فقط، وإنما على كسب ثقة الجمهور.
وهذه الثقة تُبنى عبر صورة أكثر مهنية، وخبر أكثر دقة، وصوت أكثر تنوعاً، ومعلومة تصل في وقتها، وإعلام يرى السوري أولاً، ويستمع إليه، وينقل قصته كما هي.