دمشق-سانا
منذ تشكيلها بموجب المرسوم الرئاسي رقم (20) لعام 2025، كثّفت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا جهودها على المستويات الحكومية والمجتمعية والدولية، ضمن مسار يهدف إلى ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر، بالتوازي مع تعزيز السلم الأهلي ومنع تكرار الانتهاكات.
وشهدت الأشهر الماضية سلسلة من الاجتماعات واللقاءات وورشات العمل والجلسات الحوارية التي نظّمتها الهيئة أو شاركت فيها داخل سوريا وخارجها، تناولت فيها مختلف الآليات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، لا سيما ما يتصل بتوثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجمع الأدلة وحفظها، وبناء قواعد بيانات وسجلات وطنية شاملة تسهم في دعم عمليات كشف الحقيقة وتعزيز المساءلة.
كما ركّزت الهيئة في الاجتماعات على تطوير الأطر الفنية والمؤسسية لعملها، وتعزيز قدراتها في مجالات التحقيق والتوثيق وإدارة المعلومات، إلى جانب تعزيز التعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والإقليمية، وممثلي المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن تكامل الجهود، وتوحيد المعايير المعتمدة في مسار العدالة الانتقالية.
إعداد النظام الداخلي
وعقدت الهيئة اجتماعها الأول في شهر أيلول الماضي، عرضت فيه ما أنجز خلال الفترة التي أعقبت تشكيلها، بما في ذلك إعداد النظام الداخلي وصياغة مدونة السلوك، وتنظيم لقاءات مع هيئات ومنظمات دولية، وإجراء اتصالات مباشرة مع ذوي الضحايا ومنظمات المجتمع المدني، وتوزيع المهام على اللجان الست ضمن الهيكل التنظيمي للهيئة.
تعزيز سيادة القانون
كما ناقشت الهيئة في لقاءاتها واجتماعاتها الموسعة مع جميع الوزارات والجهات العامة والمنظمات المحلية، سبل تنفيذ برامج العدالة الانتقالية ودعم الجهود المؤسسية والقانونية، ورفع مستوى التنسيق ولا سيما مع الجهات القضائية، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتعزيز سيادة القانون، والسماح لفرق الهيئة بزيارة السجون والاطلاع على ملفات الموقوفين، ومناقشة مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي وصل إلى مراحله الأخيرة، تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب بعد تشكيله.
وتركزت مباحثات الهيئة على مناقشة آليات ملاحقة مرتكبي الجرائم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، والتحديث الدوري لقواعد البيانات وتطوير أدوات التنسيق الميداني، بما يسرّع ملفات العدالة الانتقالية، والتعاون في مجال توثيق الذاكرة الوطنية المتعلقة بحالات الطوارئ والكوارث، وحفظ الشهادات والوثائق، بما يسهم في بناء أرشيف وطني يدعم مسار العدالة الانتقالية، ويعزز حق المجتمع في المعرفة والحقيقة.
دعم جهود العدالة
كما تناولت المناقشات دعم جهود العدالة ومتابعة أداء المؤسسات وضمان التزامها بالأطر القانونية، وتعزيز التعاون والتنسيق المشترك لحماية حقوق ذوي الضحايا وتحقيق المساءلة، ودعم أنشطة الهيئة داخل الجامعات السورية، وتفعيل دور الأكاديميين في البحث العلمي وكتابة السرديات الوطنية، وتوفير الخبرات اللازمة لعمليات كشف الحقيقة، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني في ملفات معالجة خطاب الكراهية وجبر الضرر وتنظيم ورشات العمل وتبادل الخبرات، بما يدعم مسار العدالة الانتقالية.
وتخلل هذه الاجتماعات توقيع مذكرة تفاهم في شهر نيسان الماضي مع منظمة “حراس الحقيقة”، لتعزيز التعاون في مجالات التوثيق وبناء القدرات، وتعزيز دور المجتمع المدني في دعم مسارات العدالة الانتقالية، وتنفيذ برامج وأنشطة مشتركة متعلقة بها.
وناقشت مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات (GSF) آلية إنشاء سجل وطني للضحايا، استناداً إلى لقاءات ميدانية مع الناجين وذوي الضحايا، بما يضمن الحفاظ على كرامة الضحايا وحقيقة ما جرى، ويخدم مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
اللقاءات مع ذوي الضحايا
أطلقت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خلال هذه المرحلة سلسلة من الحوارات المجتمعية وورشات العمل في العديد من المحافظات، مع ذوي الضحايا وأسر المفقودين والاستماع إلى شهاداتهم ضمن هذا المسار، والاطلاع على أوضاعهم واحتياجاتهم.
كما تضمنت نشاطات الهيئة زيارات للعديد من المناطق التي شهدت ارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة من قبل النظام البائد، ودماراً كبيراً في بنيتها التحتية، والاستماع المباشر إلى مطالب الأهالي وشهادات ذوي الضحايا، وآليات المتابعة القانونية ورفع الدعاوى، وتقييم حجم الدمار الذي لحق بالمباني السكنية والبنية التحتية جراء ممارسات النظام البائد، بما يسهم في وضع أسس عملية لتحقيق العدالة والإنصاف.
وخلال هذه الحوارات، عرضت الهيئة آليات عملها وتقديم الشكاوى والإدلاء بالشهادات أمام المحاكم المختصة، وتنفيذ مشروع توثيق الذاكرة الوطنية، بما يسهم في حفظ التضحيات وتوثيق الجرائم والانتهاكات وكشف الحقيقة، وإنشاء بنك معلومات يكون مرجعاً للباحثين والأكاديميين وقاعدة لأدلة قضائية مستقبلية، إلى جانب تعزيز المشاركة المجتمعية في مسار العدالة، وتعويض المتضررين وملاحقة المتورطين بالانتهاكات.
تطوير التعاون مع الدول الخارجية
وعززت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عملها من خلال اجتماعاتها ولقاءاتها مع العديد من الدول العربية والأجنبية، إلى جانب المنظمات الأممية والدولية والإقليمية، وذلك في إطار تطوير التعاون وتبادل الخبرات بما يدعم هذا المسار، ويعزز تحقيق عدالة انتقالية شاملة ومستدامة في سوريا.
وتناولت هذه الاجتماعات سبل تعزيز آليات العمل المؤسسي وترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في مجالات التوثيق والتحقيق وإدارة الملفات ذات الصلة.
الاستفادة من التجارب الدولية
وركّزت الاجتماعات على أهمية توحيد الجهود الدولية والإقليمية الداعمة لمسار العدالة، وتطوير أدوات التعاون الفني والمعرفي، بما يضمن تعزيز فعالية الإجراءات المتبعة، ودعم مساعي تحقيق العدالة الانتقالية على نحو شامل يخدم مسار الاستقرار وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع السوري.
وتناولت الهيئة مع وفود العديد من الدول، مسار العدالة الانتقالية وملف المفقودين، والاستفادة من التجارب الدولية لدعم هذا المسار، ولا سيما التجربة الرواندية، والاطلاع على آليات المحاسبة فيها والمصالحة المجتمعية، وإعادة بناء المؤسسات القانونية بعد مرحلة الإبادة الجماعية التي شهدتها.
وعلى صعيد اجتماعاتها مع المنظمات الدولية، ناقشت الهيئة مع منظمة ضحايا التعذيب، سبل تعزيز الدعم النفسي وإعادة التأهيل لضحايا التعذيب، وآليات التعاون لحماية حقوقهم وتقديم الدعم الشامل لهم بما يخدم مسار العدالة والإنصاف، كما شملت المباحثات مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا سبل تسريع خطوات العدالة الانتقالية، والتحديات المرتبطة بإقرار القانون الخاص بها وآليات التعامل مع الانتهاكات، مع التأكيد على حماية خصوصية الشهود وعدم التمييز بين الضحايا.
وجرى البحث مع منظمة “IREX” الأمريكية، تعزيز التعاون في مسار التوجه نحو الشباب الجامعي لتخفيض خطاب الكراهية (إن وجد) واستبداله بخطاب يعزز التماسك الاجتماعي، وتوظيف الإعلام في بناء السلام والمصالحة الوطنية.
دعم أممي لمسار العدالة الانتقالية
ركزت محاور اللقاءات التي أجرتها الهيئة مع الوفود الأممية، حول مسارات الإصلاح المؤسساتي، وتعزيز آليات التنسيق ودعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وتأسيس فريق أممي للعمل معها، ومناقشة آليات الدعم الممكنة بما يشمل الخبرات المعرفية والعلمية اللازمة، إلى جانب التعاون الفني لمعالجة قضايا السكن والأراضي ضمن مسار العدالة، بما يدعم إنصاف الضحايا وحقوقهم، ويعزز إعداد استراتيجية وطنية لمعالجة هذا الملف.
الزيارات الخارجية
أجرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية سلسلة من الجولات العربية والدولية، للاستفادة من التجارب والطروحات، بما يسهم في تعزيز القدرات ويخدم مسار العدالة والإنصاف، إلى جانب تقديم الدعم الفني الشامل لعمل الهيئة.
وركزت الهيئة من خلال هذه الجولات، على تعزيز التعاون الفني والقضائي والشراكات الدولية، والاستفادة من الخبرات الأوروبية في مجال العدالة الانتقالية وملاحقة مرتكبي الجرائم، ودعم إنشاء صندوق لجبر الضرر ومكافحة الإفلات من العقاب، ومن أبرزها المباحثات التي أجريت في لاهاي بهولندا في شباط الماضي، مع محكمة العدل الدولية، ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في العدالة الجنائية Eurojust، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والمعهد الوطني الهولندي للعلوم الجنائية، والمحكمة الجنائية الدولية.
كما اطلعت الهيئة عن كثب على التجربة الرواندية في دعم مسار العدالة الانتقالية، ولا سيما في مجالات المحاسبة والمصالحة المجتمعية وإعادة بناء المؤسسات القانونية بعد الإبادة الجماعية، وتجارب توثيق الجرائم، وملف المصالحة وبناء السلام بعد الإبادة الجماعية في رواندا، وكيفية تجاوز المجتمع لآلام الماضي عبر الحوار، والاعتراف، والمساءلة، والمغفرة.
ومنذ بداية التحرير، توجهت سوريا نحو تعزيز مسار العدالة الانتقالية وتطوير أطره المؤسساتية، بما يضمن معالجته بصورة شاملة ومنظمة، حيث أصدر الرئيس أحمد الشرع في الـ 17 من أيار من عام 2025 المرسوم رقم (20)، القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بوصفها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتعمل في جميع أنحاء الأراضي السورية.
وتبرز العدالة الانتقالية بوصفها خياراً وطنياً أساسياً لمعالجة إرث الماضي، والكشف عن الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، باعتبارها من أبرز الآليات القادرة على معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وإدارة مرحلة الانتقال نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.