دمشق-سانا
دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى محاسبة المسؤولين عن مجزرة حماة التي ارتكبها نظام الأسد البائد عام 1982، وأسفرت عن مقتل نحو 40 ألف مدني، واختفاء 17 ألفاً، وتدمير أحياء عدة، مشددةً على ضرورة تحقيق العدالة للضحايا.
وقالت الشبكة في تقرير أصدرته اليوم الإثنين بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة والأربعين لمجزرة حماة: إنه بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، فُتح باب مرحلة جديدة تقوم على العدالة وسيادة القانون، غير أن ترسيخ الاستقرار يقتضي مواجهة إرث الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها.
جريمة لا تسقط بالتقادم
وأوضحت الشبكة أن مجزرة حماة عام 1982 واحدة من أفظع رموز القمع في تاريخ سوريا الحديث، وعلى مدى ثلاثة وأربعين عاماً حظر النظام البائد أي تحقيق أو مساءلة أو كشفٍ لمصير المختفين، وقمَع حتى مجرد إحياء الذكرى.
وتناولت الشبكة في التقرير أبرز معالم المجزرة، مبينةً أنه في شباط 1982 شنّت قوات النظام بقيادة حافظ الأسد هجوماً استمر قرابة شهر على مدينة حماة، شاركت فيه سرايا الدفاع والقوات الخاصة وأجهزة الاستخبارات، حيث فُرض حصارٌ شامل على المدينة، وقُطعت الخدمات الأساسية، وتخلّل الهجوم قصفٌ عشوائي وإعدامات ميدانية واعتقالات واسعة وتعذيب، فضلاً عن تدمير أحياء تاريخية ومصادرة ممتلكات يرجّح أن قسماً منها أُقيم فوق مواقع يُحتمل أنها تضم مقابر جماعية.
وأشارت الشبكة إلى أن التقديرات تشير إلى مقتل ما بين 30 و40 ألف مدني، واختفاء 17 ألفاً آخرين، لتطال المأساة معظم العائلات عبر القتل والاختفاء القسري، مخلفةً عقوداً من الغموض والصدمة العابرة للأجيال، مؤكدةً أن هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
ذاكرة تُحفظ رغم المنع وغياب المساءلة
وبيّنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نظام الأسد البائد كرّس سياسة إنكار مجزرة حماة، ووسمها بوصفها “أحداثاً ضد إرهابيين”، بما أسهم في طمس الضحايا ونزع إنسانيتهم، كما جعل من حماة رسالة ردع قائمة على العنف غير المحدود، ما رسّخ الخوف والخضوع على نحوٍ مجتمعي واسع.
وأوضحت أنه رغم الحظر الرسمي، حُفظت الذاكرة عبر الرواية الشفهية وفي الأدب والفنون، بما شكّل أساساً للتشبث بالحقيقة والسعي إلى المصالحة على قاعدة الاعتراف والإنصاف.
ولفتت إلى أن الاستجابة الدولية كانت غائبة، إذ غاب التوثيق الفاعل والمساءلة، ولم تصدر قرارات حاسمة عن مجلس الأمن، الأمر الذي عزز قناعة النظام بالإفلات من العقاب، وأسهم في استمرار الانتهاكات الواسعة لاحقاً.
الالتزام بالمساءلة وجبر الضرر
ولفتت الشبكة إلى أنه بعد سقوط النظام بات الحديث العلني عن المجزرة ممكناً، وشهدت ذكرى عام 2025 أول إحياء رسمي لها، وبدأت العائلات تتقصى مصير أبنائها المختفين عبر قنوات رسمية، موضحةً أنه بعد عقود من الانتظار، يستحق الضحايا والناجون وأسر المختفين الحقيقة والاعتراف والمساءلة وضمانات عدم التكرار.
وأبدت الشبكة استعدادها لدعم مسار العدالة، داعيةً الحكومة والمجتمع الدولي والمجتمع المدني إلى اغتنام هذه اللحظة التاريخية، مشيرةً إلى أن مستقبل سوريا يرتبط بمواجهة الماضي، وأن أوان العدالة قد حان.
ودعت الشبكة الحقوقية الحكومة إلى اعتبار مجزرة حماة جريمة ضد الإنسانية، وإعلان الثاني من شباط يوماً وطنياً لإحياء ذكرى هذه الجرائم والفظائع المرتكبة، وتأكيد الالتزام بالحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة تضم قضاة وخبراء قانونيين وممثلين عن حقوق الإنسان وعن أسر الضحايا، مع منحها صلاحيات توثيق الجرائم وتحديد المسؤولين وتقديم توصيات بشأن الملاحقة القضائية والتعويض.
وطالبت بإنشاء وكالة محلية من أبناء المدينة للبحث عن نحو 17 ألف مختفٍ قسرياً، ومنحها صلاحيات الوصول إلى الأرشيفات الأمنية وتحديد مواقع المقابر الجماعية وإجراء التحقيقات الجنائية والتعرف على الرفات وإعادتها إلى عائلاتها، إلى جانب حفظ أرشيفات النظام البائد ومراجعة الوثائق المتعلقة بالعمليات العسكرية والاحتجاز.
دعوة المجتمع الدولي للاعتراف والإدانة
وطالبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الأمم المتحدة بالاعتراف رسمياً بالتقصير في توثيق المجزرة أو الاستجابة لها، وإصدار وثائق تدين الجرائم وتعترف بمعاناة الضحايا، ودعم جهود المساءلة الوطنية السورية عبر المساعدة التقنية وبناء القدرات، كما دعت الدول إلى الوفاء بالتزاماتها في التحقيق بموجب الولاية القضائية العالمية، والتعاون مع الحكومة السورية في تبادل الأدلة وتسليم المشتبه بهم، ودعم بناء القدرات القضائية.
وأكد تقرير الشبكة أهمية تسهيل استرداد الأصول المجمّدة لمسؤولي النظام البائد وتخصيصها لتعويض الضحايا، إلى جانب مواصلة المجتمع الدولي جهود التوثيق والدعم الفني لمسارات العدالة الانتقالية، كما شدد على دور المجتمع السوري في مواصلة التوثيق المنهجي للمجزرة، وجمع الشهادات وتحديد هوية الضحايا وتجميع الأدلة اللازمة للإجراءات القانونية، ودعم المبادرات الثقافية والتعليمية لحفظ الذاكرة وتشجيع الأعمال الأدبية والفنية التي تتناول هذا الفصل المأساوي من تاريخ سوريا.