بروكسل-سانا
تحولت موجات الحر في أوروبا من ظاهرة صيفية عابرة إلى اختبار حقيقي لقدرة القارة على التكيف مع تداعيات التغير المناخي، بعدما امتدت درجات الحرارة القياسية من الدول الإسكندنافية إلى جبال الألب، وأثرت في قطاعات الصحة والطاقة والنقل، وسط تحذيرات من تزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة خلال السنوات المقبلة.
وذكر موقع دويتشه فيله الألماني أن عدداً من الدول الأوروبية سجل خلال الأيام الماضية درجات حرارة قياسية تجاوزت في بعض المناطق 40 درجة مئوية، بينما أعلنت عدة دول حالة التأهب القصوى مع استمرار موجة الحر واتجاهها نحو شرق القارة.
حصيلة الوفيات تتجاوز 1300 شخص
وفي أحدث تطور، أعلنت منظمة الصحة العالمية، اليوم الأحد، أن موجة الحر التي تضرب أوروبا منذ الـ 21 من حزيران الجاري أودت بحياة أكثر من 1300 شخص، في مؤشر على اتساع التداعيات الصحية للظاهرة المناخية.
ونقلت وكالة فرانس برس عن المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس قوله: إن نحو مليون شخص ما زالوا يعيشون في ظروف حر شديد، وتسببت الموجة بإغلاق مدارس وفرض ضغوط متزايدة على شبكات الكهرباء والخدمات الصحية في عدد من الدول الأوروبية.
أرقام قياسية.. والحرارة لا تنخفض ليلاً
وسجلت ألمانيا والدنمارك والتشيك وسويسرا درجات حرارة غير مسبوقة لشهر حزيران، بينما شهدت ألمانيا واحدة من أدفأ الليالي منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، ما زاد الضغوط على السكان وشبكات الخدمات.
وأشارت هيئات الأرصاد الأوروبية إلى أن استمرار الحرارة المرتفعة ليلاً يحرم الجسم من فرصة التعافي من الإجهاد الحراري، ويزيد مخاطر المضاعفات الصحية، ولا سيما لدى كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة.
ضغط على الطاقة والبنية التحتية
ولم تقتصر تداعيات موجة الحر على القطاع الصحي، بل امتدت إلى البنية التحتية وقطاع الطاقة، إذ اضطرت بعض المحطات النووية في فرنسا وسويسرا إلى خفض الإنتاج أو تعليق تشغيل بعض الوحدات، بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في عمليات التبريد، في حين تعرضت شبكات السكك الحديدية والطرق لضغوط كبيرة نتيجة تمدد المعادن والإسفلت بفعل الحرارة المرتفعة.
كما أتاحت شركات النقل في ألمانيا للمسافرين تعديل أو إلغاء رحلاتهم دون رسوم، تحسباً لأي اضطرابات قد تسببها درجات الحرارة المرتفعة أو العواصف الرعدية المتوقعة.
من الحر إلى العواصف
وبحسب هيئة الأرصاد الجوية الألمانية، فإن انكسار موجة الحر لا يعني انتهاء المخاطر، إذ يتوقع أن تعقبها عواصف رعدية عنيفة، قد تكون مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح قوية وتساقط البرد، نتيجة اصطدام الكتل الهوائية الحارة بأخرى أكثر برودة.
ويرى خبراء الأرصاد أن هذا النمط بات أكثر تكراراً مع ازدياد الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بارتفاع حرارة الأرض.
التغير المناخي في قلب الأزمة
وأكدت مجموعة World Weather Attribution، المتخصصة في دراسة العلاقة بين الظواهر الجوية والتغير المناخي، أن موجة الحر الحالية كانت ستصبح شبه مستحيلة لولا الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري، مشيرة إلى أن درجات الحرارة الليلية المرتفعة أصبحت اليوم أكثر احتمالاً بنحو مئة مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين.
كما اعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الموجة الحالية قد تكون من أكثر موجات الحر اتساعاً التي شهدتها أوروبا، بينما تؤكد الوكالة الأوروبية للبيئة أن القارة الأوروبية تسجل أعلى معدلات الاحترار مقارنة ببقية قارات العالم.
تحديات تتجاوز فصل الصيف
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن موجات الحر أصبحت من أخطر الظواهر المناخية على صحة الإنسان، بعدما تسببت بوفاة مئات الآلاف عالمياً خلال السنوات الأخيرة، في حين تشير بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن أوروبا قد تواجه ارتفاعاً كبيراً في الوفيات المرتبطة بالحرارة، إذا استمرت درجات حرارة الكوكب في الارتفاع.
وفي المقابل، تتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي إلى الاستثمار في المدن الخضراء، وتوسيع المساحات المظللة، وتحديث البنية التحتية وشبكات الكهرباء، وتعزيز خطط الإنذار المبكر، باعتبار أن التكيف مع المناخ لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة.
صيف أكثر سخونة
ويتوقع خبراء المناخ أن يكون شهرا تموز وآب أكثر حرارة من معدلاتهما الطبيعية في أجزاء واسعة من أوروبا، مع احتمال تشكل موجات حر جديدة خلال الأسابيع المقبلة، في ظل استمرار تأثير الكتل الهوائية الحارة القادمة من شمال إفريقيا.
ويجمع الخبراء على أن الحد من آثار هذه الظواهر يتطلب، إلى جانب إجراءات التكيف، تسريع الجهود الدولية لخفض انبعاثات غازات الدفيئة، لأن مواجهة موجات الحر المتكررة لا تتحقق بإجراءات الطوارئ وحدها، بل بمعالجة الأسباب التي تقف وراء تغير المناخ.