عواصم-سانا
طيلة عقود كانت شركات السلاح الكبرى تهيمن على أسواق الأسلحة العالمية، وتتصدر عائدات العقود والمشاريع الدفاعية الدولية دون منازع، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، أحدثت تحولات نوعية غير مسبوقة في سوق السلاح العالمية، وتسببت في تصدعات عميقة في نماذج الصناعة الدفاعية وطرق الربح.
وتحولت ديناميكيات الطلب والعرض، وبرزت شركات صغيرة ومتوسطة تنتج منصات خفيفة ورخيصة، مثل الطائرات بدون طيار (المسيّرات)، بينما تكبّدت أنظمة الدفاع الجوي التقليدية خسائر ضخمة في المخزون وتكاليف الإنتاج، ما يمنح زخماً غير مسبوق للقطاعات الدفاعية المتخصصة في أسلحة تكتيكية أقل تكلفة وأكثر قابلية للإنتاج السريع.
استنزاف سريع للذخائر الثقيلة
في مقدمة أسباب تغير قواعد السوق هو الاستنزاف السريع للذخيرة، فبحسب تقديرات المؤسسات البحثية الدفاعية، استهلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها خلال الأيام الأولى من الحرب كميات هائلة من الذخائر المتقدمة مثل الصواريخ الاعتراضية والدفاعية، وما يتجاوز عشرات مليارات الدولارات في أقل من أسبوعين من العمليات العسكرية.
وتشير بيانات نشرها المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية في لندن إلى أن الولايات المتحدة استخدمت خلال أول 16 يوماً من الحرب أكثر من 11200 ذخيرة هجومية واعتراضية، بتكلفة قاربت 26 مليار دولار، بينها أكثر من 1200 منظومة دفاع صاروخي من طراز باتريوت، ومئات الصواريخ من طراز توماهوك، إضافة إلى أكثر من 300 صاروخ اعتراض من منظومة ثاد.
هذه المعدلات غير المسبوقة للاستهلاك جعلت الصناعات التقليدية في مواجهة أزمة إنتاج ومخزون، ما أدى إلى التأكيد على الحاجة إلى أنظمة أسرع إنتاجاً وأقل تكلفة، ووضع سوق الأسلحة في حالة من إعادة التسعير والمراجعة الاستراتيجية.
تكلفة غير متكافئة
وثاني الأسباب لتغير القواعد هو التكلفة غير المتكافئة، فالاستخدام المكثف للطائرات المسيرة الرخيصة أدى إلى عجز ملموس في كفاءة الدفاع الجوي التقليدي، ومع تجاوز تكلفة الصاروخ الواحد من منظومة باتريوت الاعتراضية ثلاثة ملايين دولار، مقابل مسيّرات إيرانية لا تتجاوز تكلفة بعضها عشرات آلاف الدولارات، بدأت الحكومات الغربية تبحث عن بدائل دفاعية أقل تكلفة وأكثر سرعة في الإنتاج، وهو تحول انعكس مباشرة على اتجاهات الاستثمار العسكري العالمية.
ارتفاع أسهم المال في الأيام الأولى
وعندما بدأت الحرب، شهدت أسهم شركات الدفاع الكبرى ارتفاعاً سريعاً في الأسواق المالية، إذ توقع المستثمرون تدفق عقود لتجديد مخزونات الذخيرة وأنظمة الدفاع، ورافق هذا الارتفاع إطلاق توقعات بميزانيات دفاعية مذهلة في الولايات المتحدة وأوروبا.
لكن هذا الاندفاع السريع لم يستمر، إذ أفاد محللون بأن الارتفاعات الأولية كانت نتيجة تسعير معنوي للصراع المتوقع، وليس لمعاملات الطلب الحقيقي خلال الحرب.
تراجع وصعود في أسهم الشركات
في الأيام التي أعقبت الارتفاع السريع للأسهم الدفاعية، شهدت بعض الشركات الكبيرة تقلبات طفيفة بسبب عوامل، من بينها توقع المستثمرين أن الأسعار كان مبالغاً فيها قبل اندلاع الضربات، والقيود على الإنتاج وسلاسل التوريد، إضافة إلى إدراك المستثمرين أن الإنتاج الدفاعي التقليدي يحتاج وقتاً أطول.
من بين إحدى النتائج الاستراتيجية للصراع الحالي، أن شركات أسلحة متوسطة وصغيرة بدأت تجني أرباحاً ملموسة في مجال أنظمة الطائرات المسيّرة وأجهزة الحرب غير المكلفة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك صعود شركة كورية جنوبية متخصصة بالدفاع الصاروخي متوسط المدى، إذ ارتفعت أسهمها بأكثر من 40% مع بداية الحرب، نتيجة الإقبال على منظوماتها الأرخص تكلفة مقارنة بمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية الثقيلة.
كما شهدت شركات ناشئة مثل “سبيكتر وركس” و”أيروفايرونمنت” و”أنيوجوال ماشينز” المدرجة في البورصة الأمريكية ارتفاعاً ملحوظاً في أسهمها مع بدء الحرب، نتيجة توجيه إنفاق البنتاغون على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
الطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء
وبدأت الدول المصنّعة للدفاع في إعادة توجيه ميزانياتها من مشاريع ضخمة طويلة الأمد نحو الذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات من دون طيار، وأنظمة دفاع متكاملة منخفضة التكلفة، وصيانة وتحديث المخزونات القتالية.
ومع اقتراب الحكومات من إقرار ميزانيات دفاعية قياسية، من المتوقع أن تستفيد الشركات التي تقدم أنظمة قابلة للتصنيع السريع بتكلفة أقل من الأنظمة الدفاعية التقليدية، مزوّدة بقدرات استشعار وتحكّم أفضل.
إعادة رسم خارطة السلاح العالمية
وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الولايات المتحدة استحوذت على 42% من صادرات السلاح العالمية خلال عام 2025، مقارنة بـ36% خلال الفترة السابقة، وهو ما تعزز لاحقاً مع توسع العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
وصدّرت الولايات المتحدة أسلحة إلى 99 دولة حول العالم، وأصبحت أوروبا الوجهة الأولى لصادراتها بنسبة 38%، متجاوزة الشرق الأوسط الذي تراجعت حصته إلى 33%.
وفي المقابل، سجلت صادرات السلاح الروسية تراجعاً حاداً بنسبة نحو 64%، مع انخفاض حصتها العالمية إلى أقل من 7%، في وقت عززت فيه دول أوروبية وآسيوية مواقعها في سوق التسليح العالمي.
الميزانيات الدفاعية الأمريكية
وتعمل الإدارة الأمريكية على إعداد مشروع موازنة دفاعية تصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، إضافة إلى طلب تمويل طارئ بنحو 200 مليار دولار لدعم العمليات العسكرية وإعادة ملء المخزونات، ما يعكس حجم التحول الذي أحدثته الحرب في أولويات الإنفاق العسكري الأمريكي.
غيرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية قواعد السوق، وأعادت رسم خريطة الصناعات الدفاعية العالمية، إذ بات واضحاً أن الربح في سوق السلاح لم يعد حكراً على الشركات الضخمة، بل انتقل إلى من يقدّم الذكاء والسرعة والاقتصادية في الإنتاج والاستمرار في الحروب الحديثة.