القدس المحتلة-سانا
تمرّ أيام شهر رمضان المبارك هذا العام على الفلسطينيين في قطاع غزة، فيما لا تزال تداعيات العدوان الإسرائيلي المتواصل تفرض ظلالها الثقيلة على تفاصيل حياتهم اليومية، وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية وطعامهم وسط دمار واسع في البنى التحتية والخدمات.
وتتفاقم المعاناة مع التدهور المعيشي والاقتصادي، واستمرار الحصار وإغلاق المعابر، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تأثيرات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يفاقم تدهور الوضع الإنساني في القطاع ويجعل موائد رمضان محاصرة بالجوع.
إغاثة لا تواكب الاحتياجات
رمضان الحالي هو الأول منذ إعلان وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح الإنساني، إلا أن هذا الفتح ظل محدود التأثير، إذ تؤكد وسائل إعلام فلسطينية أن المعبر “يتنفس ببطء” تحت قيود إسرائيلية مشددة، قبل أن يُعاد إغلاقه مجدداً على وقع التطورات الإقليمية.
الواقع الميداني، وفق التصريحات الإعلامية، يكشف أن العمل الإغاثي خلال رمضان لا يزال دون مستوى الاستجابة المطلوبة، في ظل اتساع رقعة الاحتياجات وارتفاع أعداد الأسر المعتمدة كلياً على المساعدات.
نقص في السلع والخدمات
وتشير بيانات أممية إلى أن آلاف العائلات الفلسطينية تقيم في ملاجئ غير آمنة، وسط نقص حاد في السلع والخدمات الأساسية، فيما تبقى أوضاع السفر عبر معبر رفح غير ملائمة، ما يعمّق معاناة السكان ويقيد حركتهم خلال الشهر الكريم.
واتهمت منظمات إنسانية أممية السلطات الإسرائيلية بتعميق الكارثة الإنسانية عبر تقييد دخول المساعدات إلى القطاع، والتي لا تزال محدودة، مطالبة برفع القيود المفروضة على إدخال المواد الإغاثية، واستئناف وصولها إلى الأهالي.
رمضان يكشف حجم الفجوة
وتُظهر التقديرات الفلسطينية أن شهر رمضان بات مؤشراً حياً على اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، إذ تتجاوز معدلات الفقر 90%، فيما تدور البطالة حول 80%، ما يضع غالبية الأسر في سباق يومي لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وفي هذا السياق، حذّر المركز الفلسطيني للإعلام من أن سكان القطاع يعيشون “فصول نكبة جديدة”، حيث يقيمون في مئات مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أو في مدارس حكومية أو خيم، في ظروف قاسية تفتقر إلى الغذاء والمياه الكافية، مع انتشار الأمراض والأوبئة، ليأتي رمضان محمّلاً بمشاهد الجوع والعطش وغياب أبسط مستلزمات إعداد الطعام.
“التكية” ملاذ الإفطار
من جهته، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان، أن انعدام الدخل الثابت وارتفاع تكلفة إعداد مائدة بسيطة جعلا شراء مستلزمات الإفطار أمراً شبه مستحيل لكثير من العائلات، ما حوّل “التكية” في مدينة غزة إلى ركيزة أساسية لتأمين وجبة الإفطار، ويضطر آلاف الفلسطينيين إلى الوقوف في طوابير طويلة أملاً بالحصول على وجبة، فيما يعود بعضهم أحياناً دون طعام، حاملين خيبة الانتظار بدل لقمة الإفطار.
انهيار القدرة الشرائية
وتشير المعطيات الفلسطينية إلى أن القدرة الشرائية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة خلال فترات الحصار المشدد، وإغلاق المعابر ومنع إدخال البضائع، ما أدى في بعض المراحل إلى ارتفاع أسعار معظم أصناف الطعام بأكثر من 700%.
ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ تراجعت الأسعار نسبياً، لكنها بقيت أعلى من مستوياتها السابقة بأكثر من 100%، الأمر الذي أبقى الغذاء خارج متناول شريحة واسعة من السكان.
تعليق عمل المطبخ المركزي
وفي تطور يزيد المخاوف، أعربت وسائل إعلام فلسطينية عن قلقها من احتمالات تفاقم المجاعة بعد تعليق المطبخ المركزي العالمي عمليات الطهي التي كانت توفر وجبات يومية لآلاف العائلات، وسط قيود فرضها الاحتلال على إدخال الإمدادات، بما في ذلك خفض عدد الشاحنات التموينية إلى خمس يومياً، وارتفاع أسعار المواد الخام.
تداعيات التصعيد الإقليمي
كما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، من أن التصعيد الإقليمي الحالي ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، مبيناً أن ترشيد استهلاك الوقود بسبب انخفاض المخزونات، أثّر على عمل المخابز والمستشفيات ومحطات تحلية المياه، إضافة إلى تعليق خدمات جمع النفايات، مبيناً أن بعض أهالي مناطق غزة لا يحصل إلا على لترين من مياه الشرب يومياً، وسط ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى رمضان لا يشبه سواه في غزة، ويبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة القطاع المنهك على الصمود في وجه حربٍ لم تترك للحياة سوى هامش ضيق.