لندن-سانا
جدد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تحذيره من خطورة الخطة الإسرائيلية–الأميركية الهادفة إلى إنشاء ما يسمى “المدينة الخضراء” في رفح جنوب قطاع غزة لإيواء المهجرين جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.
واعتبر الأورومتوسطي في بيان اليوم أن هذه الخطة تمثل مشروعاً لإعادة هندسة الواقع الديموغرافي في القطاع، وتحويل أجزاء واسعة منه إلى مناطق عسكرية مغلقة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي المباشرة وسط فرض ترتيبات قد تقود إلى تهجير قسري واسع النطاق.
وقال: إن الخطة التي كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن تقدم في تنفيذها بعد اتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تقوم على إنشاء مبانٍ مؤقتة تشبه الكرفانات لإيواء الفلسطينيين، لافتاً إلى أن القوات الإسرائيلية تعمل حالياً على إخلاء المنطقة المستهدفة وتسويتها تمهيداً للبناء.
وأوضح المرصد أن هذه الخطة تعكس فشلًا في التعامل مع تداعيات الحرب المستمرة على غزة، وتهدف إلى فرض واقع جديد يقوم على السيطرة العسكرية وإعادة توزيع السكان، بدلًا من توفير حلول حقيقية لمعاناة المدنيين، مذكّراً بتجربة “منظمة غزة الإنسانية” التي تحولت مراكزها إلى مواقع للقتل والاعتقال والإخفاء القسري وذهب ضحيتها آلاف المدنيين.
وبيّن المرصد أن الخطة الأميركية–الإسرائيلية الأوسع تقوم على تقسيم قطاع غزة إلى مناطق حمراء وخضراء تفصل بينها “خطوط صفراء” تُعامل كحدود عسكرية يُطلق الاحتلال فيها النار على الفلسطينيين الذين يقتربون منها، مشيراً إلى أن هذه الخطوط توسعت فعلياً داخل القطاع، ما أدى إلى وضع نحو 60 % من مساحته تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة.
وبموجب الخطة تخضع أجزاء إضافية من أراضي القطاع لنظام عسكري مغلق، وتُقيّد على نحو جسيم حرية حركة السكان داخل غزة، على نحو يكرّس ضماً فعلياً للأرض وتفتيتاً لوحدة الإقليم بالمخالفة لقواعد القانون الدولي.
وأشار إلى أن الخطة تتضمن نقل السكان من المنطقة الحمراء إلى الخضراء عبر خلق بيئة معيشية قسرية، وربط الحصول على الخدمات الأساسية بالموافقة على الانتقال، بعد الخضوع لفحوص أمنية واسعة، وهو ما يعدّ تهجيراً قسرياً محظوراً بموجب القانون الدولي.
وبيّن أن الخطة تشمل إقامة مدن من الكرفانات السكنية تستوعب كل منها نحو 25 ألف شخص داخل مساحة لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً واحداً، محاطة بأسوار ونقاط تفتيش، بما يحولها إلى معسكرات احتجاز مكتظة تقيّد حرية الحركة والحياة اليومية للسكان، ما يعيد إنتاج أنماط “الغيتوات” التاريخية التي استخدمت لعزل جماعات سكانية في سياقات استعمارية وعنصرية.
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أن نمط العيش المفروض داخل هذه المدن المؤقتة سيجري في ظل رقابة أمنية تعسفية وترتيبات حوكمة مفروضة من خارج إرادة السكان، بحيث لا يُمنحون أي خيار حقيقي في قبولها أو رفضها، وتُصادَر قدرتهم على المشاركة في إدارة شؤونهم العامة، ويؤدي ذلك إلى تكريس واقع سياسي وإداري جديد يضع مستقبل القطاع وهويّة سكانه موضع تقويض مباشر بفعل تدخلات خارجية.
وحذّر المرصد من أن الخطة لا تقتصر على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل تستهدف تفتيت وحدة الأرض والشعب الفلسطيني، وفصل غزة عن الضفة الغربية، وخلق سلطة جديدة منفصلة عن الإطار الوطني الفلسطيني، بما يقوّض بصورة خطيرة حقهم غير القابل للتصرّف في تقرير مصيرهم كوحدة واحدة على كامل أرضهم المحتلة.
وطالب المرصد المجتمع الدولي بالانطلاق من حقيقة أساسية مفادها بأن أي ترتيبات في غزة لن ترقى إلى مستوى الحل ولا حتى “الإدارة المؤقتة” المشروعة ما لم تستند أولاً إلى إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار البري والبحري والجوي المفروض على القطاع، مشدداً
على ضرورة رفض أي ترتيبات تُبقي على السيطرة الإسرائيلية أو تعيد إنتاجها، والامتناع عن الاعتراف بأي واقع ينطوي على نقل قسري أو ضم للأراضي.
كما طالب الأطراف الفاعلة وفي مقدمتها الأمم المتحدة بالضغط لرفع الحصار فوراً، وفتح المعابر، وضمان حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم، ودعم مسارات المساءلة الدولية لمنع الإفلات من العقاب.