دمشق-سانا
من الصمت وصعوبة التعبير في الطفولة، إلى التفوق الدراسي والطموح الجامعي، تقدم قصة الشابة السورية آلاء محمد نموذجاً لمصابي طيف التوحد عبر رحلة طويلة من التحدي، يصنعها الإصرار ويقودها دعم أسري لا يتوقف.
ويُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية التي تؤثر على قدرة الطفل على التواصل اللفظي والبصري، وتحدّ من تفاعله مع محيطه، إضافة إلى ارتباطه بأنماط سلوكية متكررة وحساسية مفرطة تجاه المؤثرات الحسية.
رحلة تحد تتحول إلى قصة نجاح
وتبرز تجربة آلاء محمد (18 عاماً)، الطالبة في المرحلة الثانوية، كنموذج يعكس قدرة الأطفال المصابين بطيف التوحد على تجاوز الصعوبات وتحقيق التميز.
والدتها، ميساء إبراهيم، وهي اختصاصية تربية، أوضحت لـ سانا أن مؤشرات الاضطراب لدى ابنتها بدأت بالظهور في سن مبكرة، حيث فقدت مهارات النطق والمشي قبل أن يتم لاحقاً تشخيص حالتها بشكل دقيق.
وبينت أن رحلة التأهيل اتسمت بالصعوبة، وخاصة في ظل تعرض آلاء للتنمر داخل محيطها العائلي والمدرسي، إلا أن الإصرار على توفير بيئة داعمة وآمنة، أسهم في مساعدتها على تطوير مهاراتها تدريجياً.
وأضافت: إن ابنتها بدأت التعبير عن نفسها عبر الرسم، قبل أن تتمكن لاحقاً من استخدام اللغة للتواصل، لتصبح اليوم طالبة متفوقة قادرة على الاعتماد على نفسها، وتستعد لخوض امتحانات الشهادة الثانوية، تمهيداً لتحقيق طموحها بدراسة الهندسة المعلوماتية.
واستذكرت مشاركة ابنتها في فعالية “حقوق ذوي الإعاقة في الإعلام والدراما” التي أقيمت في دار الأوبرا، حيث قدمت قصتها أمام جمهور واسع بثقة، في خطوة تعكس تطور قدراتها الاجتماعية وتعزيز حضورها في الفضاء العام.
وأشارت إبراهيم إلى أن تجربتها الشخصية كأم لطفل مصاب بالتوحد دفعتها لتعزيز تأهيلها العلمي في هذا المجال، حيث استكملت دراستها في التربية الخاصة، وحصلت على دبلوم تأهيل تربوي، وتتابع حالياً دراساتها العليا، إلى جانب تأسيس مبادرة تهدف إلى دعم الأطفال المصابين بطيف التوحد وصعوبات التعلم، والعمل على دمجهم في المجتمع.
من جهتها، أكدت آلاء أن رحلتها لم تكن سهلة، وأنها واجهت صعوبات في التعبير والتواصل خلال طفولتها، إضافة إلى تحديات مرتبطة بالتنمر وسوء فهم بعض المعلمين، إلا أنها تمكنت من التكيف تدريجياً بفضل التدريب والدعم الأسري، وصولاً إلى تحقيق التفوق الدراسي.
أهمية الكشف المبكر
بدوره شدد مدير إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة، وائل الراس، على أن الكشف المبكر عن اضطراب طيف التوحد يعد عاملاً أساسياً في تحسين مهارات الطفل، ولا سيما في مجالات التواصل واللغة، مبيناً أن الاضطراب يترافق مع مجموعة من المؤشرات، منها ضعف التواصل البصري، وتأخر اللغة، والسلوكيات النمطية، إضافة إلى الحساسية المفرطة تجاه الأصوات أو اللمس.
ويبين أن التعامل مع هذه الحالات يتم وفق تقييم فردي لكل طفل، عبر برامج علاجية وسلوكية متخصصة، تشمل تحليل السلوك التطبيقي، وعلاج النطق والتخاطب، والعلاج الوظيفي، بما يسهم في تعزيز قدراتهم ودمجهم في المجتمع.
وفيما يتعلق بالإحصاءات، يشير الراس إلى عدم توفر بيانات وطنية دقيقة في سوريا، لافتاً إلى أن النسبة العالمية تُقدّر حالياً بنحو 1%، مع توقعات بارتفاعها خلال السنوات المقبلة نتيجة تطور أدوات التشخيص واتساع معاييره.
جهود حكومية لتعزيز الوعي ودعم دمج المصابين بالتوحد
ويُصادف الثاني من نيسان من كل عام اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، ويحتفل به هذا العام تحت شعار “التوحد والإنسانية.. كل حياة لها قيمة”، في إطار جهود محلية ودولية لتعزيز الوعي المجتمعي، ودعم حقوق المصابين، وتشجيع إدماجهم في مختلف جوانب الحياة.
وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، نظمت أمس الخميس، بالتعاون مع وزارة الصحة ومبادرة “افهمني”، فعالية توعوية في دار الأوبرا بدمشق، بهدف تسليط الضوء على قضايا الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، وتعزيز الوعي المجتمعي بهم.
ولفتت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في تصريح لـ سانا خلال الفعالية، إلى أن الوزارة تعمل على صياغة السياسات والبرامج الداعمة للأشخاص المصابين بالتوحد، بهدف تمكينهم من العيش باستقلالية أكبر، وتعزيز اندماجهم في المجتمع.