حمص-سانا
في “خميس الحلاوة”، يستعيد أهالي حمص أحد أبرز طقوسهم الاجتماعية المرتبطة بالحلاوة الحمصية، التي تتجاوز كونها حلوى تقليدية لتغدو رمزاً تراثياً متجدداً للمحبة وصلة الرحم، ففي كل قطعة تتجسد ذكريات الطفولة واللمة حول المائدة، ودفء الروابط العائلية والجيرة.

في هذه المناسبة السنوية تتزين الموائد بأصناف الحلاوة المتنوعة، ويتبادلها الأهالي كهدايا، مجسدةً حضور هذا الموروث الشعبي في حياة الحماصنة عبر الأجيال.
بدر الصفوة أحد صانعي الحلاوة الحمصية أوضح لـ سانا، أن هذه المهنة عائلية تقليدية توارثوها عن أجدادهم، مضيفاً: إن مناسبة “خميس الحلاوة”، التي تُقام في ثاني أو ثالث خميس من نيسان كل عام، أصبحت حدثاً ينتظره الحماصنة بفارغ الصبر، حيث يلتقي الأقارب والأصدقاء لتبادل الحلاوة كهدايا رمزية تُجسّد الحب والتواصل الاجتماعي.

وأوضح الصفوة أن الحلاوة الحمصية تتميز بتنوع أصنافها، منها البشمينا والسمسمية والغريبة والجوزية، إضافة إلى الحلاوة الخبزية التي تُحضَّر بشكل مختلف، إذ تُقلى رقائقها في الزيت ثم تُغمر بالقطر وتُعبأ في أكياس وعلب، لتظل صالحة لفترات طويلة.
وبيّن أن البشمينا تأتي بنوعين: الحيواني المصنوع بسمن البقر، والنباتي المصنوع من الزيوت النباتية، بينما تُحضَّر الغريبة من السميد والسكر، ويضاف إليها أحياناً السمسم لتصبح “السمسمية” الشهيرة.

بدوره، لفت صفوان محب أحد صانعي الحلاوة، وعضو الجمعية الغذائية باتحاد الحرفيين، إلى أن العائلة مستمرة في هذه المهنة منذ نحو مئة عام، على الرغم من الجهد والتكلفة العالية، فالالتزام بهذا التقليد ليس مجرد عمل تجاري، بل واجب للحفاظ على الهوية ونقل الإرث بين الأجيال.
ويبين وسيم الجندي أحد أهالي حمص أن “خميس الحلاوة” يعكس أكثر من مجرد توزيع الحلوى، فهو مناسبة لتقوية صلة الرحم والتواصل الاجتماعي، فالحماصنة يشترون الحلاوة لتقديمها كهدايا لأقاربهم ويوزعونها عن أرواح الأموات، بما يجسد روح التكافل والعمل الخيري في المدينة.

وسام الدياب لبناني يقطن في حمص يصف هذه المناسبة بأنها “ذكرى سنوية تعيد ذكريات الطفولة والرفقة مع الأهل والأصدقاء”، مشيراً إلى أن الحلاوة الحمصية اكتسبت شهرة واسعة في سوريا ولبنان وبعض الدول العربية، بفضل جودتها وطعمها الفريد الذي لا يُنسى.
وتبقى الحلاوة الحمصية أكثر من مجرد منتج غذائي، فهي حكاية مدينة تُروى عبر النكهات، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة شعوراً متجدداً بالانتماء لتراثها الأصيل.