بروكسل-سانا
تتحرك أوروبا بخطى متسارعة وسط اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، في مرحلة بات فيها التحكم في استهلاك الطاقة هدفاً مباشراً للسياسات العامة، لا مجرد ملف تقني مرتبط بالأسعار أو وفرة الإمدادات.
ومع تصاعد الضغوط الجيوسياسية على أسواق الغاز والنفط، تتجه المفوضية الأوروبية إلى حزمة إجراءات تركز على خفض الطلب، بما يحول “إدارة الطاقة” إلى إدارة مباشرة لسلوك الحياة اليومية داخل دول الاتحاد.
وفي هذا الإطار، تزايدت التوصيات الأوروبية بضرورة توسيع العمل عن بُعد، وتعزيز النقل العام، وتقليل السفر، بهدف خفض استهلاك الوقود الأحفوري وتخفيف الضغط على البنية التحتية للطاقة، في ظل أزمة تصفها مؤسسات الاتحاد بأنها طويلة الأمد وتتطلب تغييرات سلوكية واسعة.
العمل عن بعد لتقليل الاستهلاك
وكشفت مسودة بيان للمفوضية الأوروبية نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، أن بروكسل ستوصي الدول الأعضاء بتشجيع أو اعتماد يوم عمل واحد على الأقل عن بعد أسبوعياً، بهدف خفض استهلاك الوقود وتقليل الضغط على شبكات النقل.
وبحسب المسودة، فإن هذه الإجراءات تأتي ضمن حزمة أوسع تهدف إلى خفض الطلب على الطاقة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، إضافة إلى تحقيق “إغاثة فورية” من ارتفاع الأسعار.
وتعتبر المفوضية أن العمل عن بُعد يمثل أداة مباشرة لتقليل التنقل اليومي، وبالتالي خفض استهلاك الوقود والانبعاثات، خصوصاً في ظل اضطراب الإمدادات.
وتشير بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن قطاع النقل يمثل نحو 37% من استهلاك الطاقة النهائي في الاتحاد الأوروبي، فيما يعتمد على الوقود الأحفوري بنسبة تتجاوز 90% في النقل البري.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أوروبيين أن هذه التوصيات تستند إلى تجارب أزمة الطاقة السابقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، لكنها تُطبق اليوم في سياق أكثر تعقيداً.
أدوات غير ملزمة واسعة التأثير
ورغم أن المفوضية شددت على أن التوصيات غير ملزمة للدول الأعضاء، فإن الحزمة تشمل أدوات واسعة، أبرزها دعم النقل العام، وخفض الضرائب على تقنيات التدفئة النظيفة، ودعم الألواح الشمسية والمضخات الحرارية، وتشجيع السيارات الكهربائية.
وقال مسؤول أوروبي: “إذا واجهنا نقصاً في الطاقة، فمن مسؤوليتنا أن نوضح للمواطنين كيف يمكنهم المساهمة في الترشيد، ولسنا بصدد التدخل في تفاصيل حياتهم”.
أزمة الكيروسين
بالتوازي مع أزمة الغاز، تتصاعد التحذيرات من نقص في وقود الطائرات (الكيروسين)، حيث حذر رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن أوروبا قد تمتلك فقط ما يكفي لأسابيع محدودة، في ظل اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وأشار إلى أن استمرار الانقطاع قد يؤدي إلى إلغاء رحلات داخل أوروبا، فيما أفادت تقارير بأن بعض شركات الطيران بدأت بالفعل تقليص رحلاتها نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود.
أوروبا بين حربين
وتأتي هذه التحولات في وقت لا تزال فيه أوروبا تعاني تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، التي أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية عبر خفض كبير في تدفقات الغاز الروسي وارتفاع حاد في الأسعار، بالتوازي مع مخاوف من هشاشة الممرات البحرية الحيوية، ما يجعل أمن الطاقة الأوروبي أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
وتظهر هذه التطورات أن أزمة الطاقة الأوروبية لم تعد مرتبطة بمصدر واحد، بل نتيجة تداخل مسارين رئيسيين: الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على الغاز، والتصعيد في الشرق الأوسط وتأثيره على النفط والكيروسين والغاز المسال.
وقد سجلت أسعار الغاز في أوروبا ارتفاعاً تجاوز 11% في بعض الجلسات بعد اضطرابات الإمدادات من الخليج العربي، وسط مخاوف من استمرار الاضطراب في الممرات البحرية الحيوية.
إدارة نمط الحياة
ولا تبدو التحولات الأوروبية مجرد استجابة ظرفية، بل انتقال تدريجي نحو إدارة الطلب على الطاقة، عبر سياسات تمس الحياة اليومية مباشرة: العمل، التنقل، السفر، وأنماط الاستهلاك داخل المنازل.
ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً بأن الأزمة باتت بنيوية، وأن الاعتماد الكبير على الواردات جعل الاتحاد عرضة لصدمات متكررة من الأسواق العالمية.
وفي المقابل، يفتح هذا المسار نقاشاً حول كلفة ضبط السلوك الاستهلاكي على المجتمع، وتأثير التقشف غير المباشر على النمو الاقتصادي، وحدود تحويل سياسات الطاقة إلى أدوات لإدارة الحياة اليومية.
تجنب تشوه السوق
في موازاة ذلك، شددت مؤسسات الاتحاد الأوروبي على أن تدخلات الحكومات يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف، حيث قال مفوض الاقتصاد في الاتحاد فالديس دومبروفسكيس في تصريحات نقلتها رويترز: “يجب أن تكون إجراءات الدعم محدودة زمنياً، لتجنب تكرار أخطاء أزمة الطاقة السابقة.”
كما حذّر صندوق النقد الدولي من أن الدعم الواسع لأسعار الطاقة قد يؤدي إلى تشوهات اقتصادية، مؤكداً أن الدعم غير الموجه غالباً ما يفيد الفئات الأعلى دخلاً ويضعف إشارات السوق.
وتكشف التطورات أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من إدارة أزمة الطاقة، تتجاوز الحلول التقليدية إلى إعادة هندسة نمط الاستهلاك نفسه.
وبين ضغط الإمدادات وتذبذب الأسواق، تتجه السياسات الأوروبية نحو تحويل “أمن الطاقة” إلى مفهوم أوسع يشمل إدارة السلوك اليومي للمجتمعات، لكن هذا التحول يضع الاتحاد أمام معادلة دقيقة بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي، وكلفة التقشف غير المباشر على الأفراد والصناعة، في مرحلة لا تزال فيها أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي اضطراب جيوسياسي.