دمشق-سانا
تحت وطأة الحرب في الشرق الأوسط التي تدخل أسبوعها الثامن، يشهد مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية – انهياراً غير مسبوق في حركة العبور، مع تراجع السفن بأكثر من 95 % منذ بدء الحرب، ما يعيد تشكيل قواعد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وأظهرت بيانات شركة كبلر للتحليلات البحرية في الـ 14 من نيسان الجاري أن 279 سفينة فقط عبرت المضيق بين الـ 28 من شباط والـ 12 من نيسان، مقارنة بمتوسط 100 سفينة يومياً قبل الحرب، فيما لم تعبر سوى 45 سفينة منذ بدء الهدنة في الـ 8 من نيسان، ما يؤكد أن الهدنة لم تُعد الحركة إلى مستوياتها الطبيعية.
قواعد جديدة تعيد تعريف “حرية الملاحة”
وقال المحلل البحري ورئيس تحرير صحيفة لويدز ليست ريتشارد ميد في الـ 11 من نيسان: إن مفهوم “حرية الملاحة” الذي قامت عليه التجارة العالمية بات مهدداً، موضحاً أن القدرة على عبور الممرات الحيوية لم تعد مكفولة تلقائياً، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالاصطفافات الجيوسياسية.
وأشار ميد إلى أن ما يحدث في مضيق هرمز يمثل “تقسيماً للتجارة وفق خطوط جيوسياسية”، حيث باتت هوية مالكي السفن وعلاقاتهم بالقوى المتصارعة عاملاً حاسماً في السماح بالعبور، في تحول جوهري عن القواعد التي سادت منذ الحرب الباردة.
ارتفاع الكلفة ومخاوف من تعافٍ بطيء
وكان القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أعلن أن القوات الأمريكية ستبدأ تنفيذ حصار بحري على حركة المرور من وإلى الموانئ الإيرانية اعتباراً من الـ 13 من نيسان، مؤكداً أن السفن المتجهة إلى موانئ غير إيرانية لن تُعاق حركة عبورها.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أمس الأربعاء، أن 9 سفن امتثلت لأوامرها في مضيق هرمز، وعادت أدراجها إلى الموانئ أو المناطق الساحلية الإيرانية، وأن سفن البحرية الأمريكية تجري دوريات في خليج عُمان، بينما تواصل القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ حصار أمريكي على السفن التي تدخل الموانئ الإيرانية أو تغادرها، مشيرةً إلى أن القوات الأمريكية في حالة استعداد لضمان الامتثال التام.
وفي المقابل، أفادت مصادر ملاحية بأن إيران فرضت رسوماً على السفن العابرة للمضيق تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، في خطوة قد تدفع أسعار النفط نحو 90 دولاراً للبرميل على المدى الطويل.
وكشف ميد أن نحو 600 سفينة كبيرة لا تزال عالقة داخل الخليج، بينها 426 ناقلة نفط و34 ناقلة غاز بترولي مسال و19 ناقلة غاز طبيعي مسال، إضافة إلى سفن كيميائيات وبضائع جافة، مشيراً إلى أن “التعافي سيكون تدريجياً، وأن أسبوعين من الهدنة ليسا كافيين”، وأن العودة إلى التشغيل الطبيعي قد تستغرق شهوراً.
وكان الرئيس التنفيذي لرابطة مالكي السفن النرويجية كنوت آريلد هارايد قال مؤخراً: إن “مالكي السفن لن يستأنفوا العبور حتى يكون هناك أمن حقيقي لمرور آمن”، وتمثل الرابطة نحو 130 شركة تمتلك حوالي 1,500 سفينة.
تداعيات تمتد إلى آسيا وتحول في ميزان النفوذ
ولا تقتصر آثار الأزمة على واشنطن وطهران، بل تمتد إلى الدول الآسيوية الكبرى المستوردة للطاقة – الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية – التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات تمر عبر المضيق، ما يجعلها الأكثر تضرراً من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريد.
ووصف تحليل صادر عن المجلس الاستشاري لمنظمة التعاون الإسلامي الماليزي (MAPIM) الحرب بأنها “اختبار إجهاد للهيمنة الأمريكية في غرب آسيا”، مشيراً إلى أن السيطرة على المضيق لم تعد تُعرّف بالهيمنة البحرية التقليدية، بل بالقدرة على منع الوصول.
ويرجّح محللون أن الحرب الحالية قد تشكل نقطة تحول في نظام الملاحة البحرية العالمي، مع احتمال بقاء آثارها أبعد من فترة الاضطراب الراهن، وفرضها معادلات جديدة للعبور والتأمين والطاقة تعيد تشكيل سلاسل التوريد خلال السنوات المقبلة.