دمشق-سانا
نظمت اللجنة الوطنية للدراما اليوم الخميس ورشة عمل حوارية بعنوان “الدراما والمجتمع بين الحرية والمسؤولية” في فندق داما روز بدمشق، تناولت واقع الدراما السورية والتحديات التي تواجهها وسبل تطوير حضورها الوطني والثقافي، بما يواكب التحولات الاجتماعية ويعزز دورها في بناء الوعي وترسيخ الهوية.
الدراما السورية قوة ناعمة ودور وطني

وأوضح أمين سر اللجنة الوطنية للدراما نضال الحبال أن الورشة تهدف إلى تعزيز الحوار بين الفاعلين في الحقلين الفني والثقافي، والوقوف على واقع الدراما السورية وآفاق تطويرها، وأشار إلى نتائج استطلاع رأي أظهر أن 83 بالمئة من المشاركين يرون أن أبرز التحديات تكمن في ضعف النصوص وتكرار الأفكار ووجود مضامين غير ملائمة، إضافة إلى عدم قدرة بعض الأعمال على التعبير عن الواقع السوري.
وبيّن الحبال أن هذه المؤشرات تعكس رغبة الجمهور في أعمال أكثر واقعية تعبّر عن القيم والهوية السورية، مؤكداً أن حرية الإبداع تبقى مرتبطة بالمسؤولية، وأن التدخل لا يكون إلا عند تجاوز حدود الحرية نحو مضامين تمييزية أو تحريضية.
وشدّد على أن تطوير الدراما يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: النص الدرامي المتين، والتسويق المهني، والحضور الوطني المواكب للتطورات التقنية، بما يسهم في إنتاج أعمال تعزز الوعي وتقدم صورة مشرقة عن المجتمع السوري وتراثه الحضاري.
فجوة بين ما يقدم وما ينتظره الجمهور

بدوره، أكد رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز أن المرحلة الراهنة تفرض مسؤولية مضاعفة على صناع الدراما لاستعادة مكانتها، مبيناً أن اللجنة درست خلال الفترة الماضية نحو سبعين مشروعاً درامياً، خضع خمسة عشر منها لتعديلات محدودة، من دون رفض أي مشروع بصورة نهائية، دعماً للإنتاج والتعاون مع الكتّاب والمنتجين.
وأشار عنيز إلى اتساع الفجوة بين ما يُقدَّم على الشاشة وما ينتظره الجمهور، موضحاً أن الدراما السورية حققت ريادتها عندما كانت دراما أسرة تحمل قيماً إنسانية واجتماعية، بينما اتجهت بعض الأعمال في السنوات الأخيرة إلى التركيز على العنف والجريمة بصورة مبالغ فيها.

وشدّد على ضرورة أن تنطلق معالجة القضايا الاجتماعية من رؤية فنية مسؤولة تهدف إلى رفع مستوى الوعي، مؤكداً أهمية إعادة الاعتبار للنص الدرامي وصون مكانة الكاتب وحمايته من الضغوط الإنتاجية والتسويقية.
الدراما بين الإبداع والمسؤولية
من جهته، لفت أستاذ كلية الإعلام في جامعة دمشق الدكتور عربي المصري إلى أن الدراما السورية تمثل أحد أبرز عناصر القوة الناعمة، وقد أسهمت عبر عقود في التعريف بالمجتمع السوري ولهجته وثقافته، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية للمشاهد العربي.

وأوضح أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية، مبيناً أن الدراما ليست نقلاً حرفياً للواقع، بل إعادة إنتاج له برؤية فنية تعتمد الخيال والابتكار، وشدّد على أن تناول قضايا مثل الجريمة والعنف ينبغي أن يتم ضمن معالجة مسؤولة لا تؤدي إلى التطبيع مع السلوكيات السلبية.
الإنتاج والتوزيع… تحديات المرحلة
في السياق، رأت الكاتبة والسيناريست إيمان سعيد أن التحديات الحالية لم تعد تقتصر على النصوص أو الأداء الفني، بل تمتد إلى مفهوم صناعة الدراما بأكمله، بدءاً من الإنتاج ووصولاً إلى التوزيع والعرض.

وأوضحت أن انتشار الدراما السورية عربياً كان مرتبطاً بوجود قنوات فضائية تعرض الأعمال السورية، بينما شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً في فرص التسويق، نتيجة تغير سياسات القنوات واتجاهها لإنتاج أعمالها الخاصة.
الدراما مرآة المجتمع وقضاياه
وأكد المشاركون أن الدراما السورية كانت ولا تزال إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، لما تؤديه من دور محوري في تشكيل الوعي المجتمعي ونقل الواقع وترسيخ الهوية الوطنية، وشدّدوا على ضرورة تطوير صناعة الدراما بما يحقق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية.
ورأى المشاركون أن الدراما السورية تعكس نبض الشارع وتحولاته، وتقدّم صورة عن التغيرات الثقافية والقيمية التي يعيشها المجتمع، وأكدوا أن الدراما تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الجمهور، سواء عبر طرح قضايا اجتماعية حساسة أو تقديم نماذج إنسانية تعبّر عن واقع الحياة اليومية، مشيرين إلى أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل أداة ثقافية قادرة على توجيه النقاش العام وفتح ملفات اجتماعية تحتاج إلى معالجة جادة ومسؤولة.
نحو خطاب درامي جديد

وناقشت الورشة أبرز التحديات التي تواجه صناعة الدراما السورية، ومنها محدودية الإنتاج، وضغط السوق، وغياب منصات عرض واسعة، إضافة إلى الحاجة لتطوير النصوص وفتح المجال أمام كتّاب شباب يمتلكون رؤى جديدة، وأكدوا ضرورة صياغة خطاب درامي جديد أكثر قرباً من الناس وأكثر قدرة على ملامسة قضايا المجتمع، مع الاستثمار في أعمال تعكس الواقع دون مبالغة أو تهويل.
وخلصت الورشة إلى أن الدراما السورية، رغم التحديات، لا تزال تمتلك مقومات القوة والقدرة على استعادة حضورها العربي، شرط تطوير أدواتها وتعزيز مسؤوليتها الاجتماعية، وتوفير بيئة إنتاجية قادرة على دعم الإبداع، وأشاروا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً جماعياً يعيد الدراما إلى موقعها الطبيعي كرافعة ثقافية ووطنية تعبّر عن المجتمع وتطلعاته.
وجاءت الورشة، التي شارك فيها نخبة من الكتّاب والمخرجين والأكاديميين والفنانين والمنتجين، ضمن جهود اللجنة الرامية إلى دعم صناعة الدراما السورية واستعادة مكانتها ودورها كقوة ناعمة مؤثرة في المجتمع.


