دمشق-سانا
تمثل المجموعة القصصية “سقف تحت الأرض” أحدث إصدارات الكاتب السوري نوار الماغوط، متضمنة 15 قصة قصيرة تستلهم الذاكرة السورية، وتستكشف التحولات الاجتماعية والإنسانية عبر شخصيات من الحياة اليومية، في بناء سردي يقوم على التكثيف ويزاوج بين الرؤية الفكرية والبعد الإنساني.
الذاكرة بوابة إلى الحكاية
تجعل المجموعة من الذاكرة نقطة انطلاق لبناء عالمها السردي، حيث تتقاطع تفاصيل الطفولة والريف والمدينة مع التحولات التي عاشها المجتمع السوري خلال العقود الماضية، فتتنقل بين البيوت والمدارس وأماكن العمل، مقدمة شخصيات تواجه أسئلة العدالة والسلطة والتربية والهجرة والانتماء، في محاولة لاستنطاق التجربة الإنسانية بعيداً عن المباشرة.
وتبرز منذ القصة الافتتاحية “العيد الأخير كما رواه لي أبي” قدرة الكاتب على تحويل التفاصيل اليومية إلى سرد يحمل أبعاداً وجدانية وفكرية، فيما تواصل قصص مثل “الصفعة” و”غطاء الطاولة” تعميق هذا المسار الذي يمزج بين الذاكرة الفردية والهمّ الجمعي.
شخصيات تنبض بالحياة
تحتل قصة “ليلى والذئاب” موقعاً مميزاً في المجموعة، إذ ترسم صورة إنسانية لامرأة كرست حياتها للعائلة، لتغدو نموذجاً للمرأة السورية التي واجهت قسوة الحياة بالصبر والعطاء، فيما يقدم الكاتب عبر شخصياته نماذج واقعية تتقاطع أحلامها وانكساراتها مع التحولات التي شهدها المجتمع.
وفي المقابل، تتجه قصة “فنان الشعب” إلى مساءلة العلاقة بين المثقف والسلطة، كاشفةً مظاهر الانتهازية وتزييف الوعي، بينما تطرح “شهرزاد” سؤال المبادئ الإنسانية وما يترتب عليها من أثمان، في حين تقدم قصة “حين يسدد القدر ديونه” معالجة نفسية عميقة تقوم على فكرة العدالة الأخلاقية وتأخر تحققها.
كما تضم المجموعة قصصاً أخرى، منها: “وهكذا شاء القدر”، و”الشجرة”، و”نصف نعل”، و”حكاية الأخوين والبقرة”، و”دمشق”، و”الوفي والبخيل”، و”الكمبارس”، وهي نصوص تتنوع في موضوعاتها، لكنها تلتقي عند استحضار الإنسان بوصفه محور الحكاية.
عنوان يحمل دلالات رمزية
يحمل عنوان المجموعة “سقف تحت الأرض” مفارقة رمزية تعكس حالة الاختناق التي يعيشها الإنسان في واقع يضيق به، مقابل استمرار البحث عن فسحة للأمل، وهو ما يشكل خيطاً ناظماً لمعظم نصوص المجموعة التي تمزج بين وضوح اللغة وكثافة الدلالة.
الأدب الحقيقي يكشف الأقنعة وينتصر للإنسان
في تصريح لـ سانا، أوضح الكاتب نوار الماغوط أن مجموعته الجديدة ليست فقط استعادة لحكايات الماضي، بل محاولة لقراءة الواقع وكشف تناقضاته، مؤكداً أن الأدب الحقيقي يمتلك الشجاعة لقول الحقيقة والانتصار للقيم الإنسانية.
وقال الماغوط: “تمثل قصة (فنان الشعب) صرخة لتعرية زيف المثقفين الانتهازيين الذين ارتهنوا للسلطة، فيما تغوص قصة (شهرزاد) في معضلة المبادئ الإنسانية لتؤكد أن الأخلاق العالية لها ثمن، وصولاً إلى قصة (حين يسدد القدر ديونه) التي تعبر عن حتمية العدالة الأخلاقية وإن طال الزمن.
وأضاف: إن عنوان المجموعة يختزل رسالتها الأساسية، إذ يعبر عن حالة الضيق التي يعيشها الإنسان، لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى التمسك بالأمل ورفض الانكسار، مؤكداً أن الذاكرة السورية ستظل الخزان الأهم للكاتب في توثيق الإنسان والمكان ومواجهة قسوة الزمن.
الكاتب في سطور
يأتي “سقف تحت الأرض” امتداداً للتجربة الأدبية للكاتب السوري نوار الماغوط، المولود في مدينة سلمية عام 1964، والمقيم في ألمانيا، والذي عمل في الصحافة المكتوبة والإعلام التلفزيوني وإعداد البرامج الوثائقية، إلى جانب نشاطه في مجالات البيئة والتنمية المستدامة.
وتقع المجموعة في 98 صفحة من القطع الوسط، وصدرَت عن منشورات رامينا في لندن، فيما حمل غلافها لوحة للفنان السوري إسماعيل الرفاعي، لتضيف عملاً جديداً إلى مسيرة الكاتب في السرد العربي المعاصر.