دمشق-سانا
على الطرق التي تعج اليوم بحركة المركبات والسكان، كانت قبل قرون تعبر قوافل الحجاج والتجار، فيما كانت ضفاف نهر الأعوج تمنح المكان أسباب الاستقرار والحياة.
وبين حاضر مدينة الكسوة وماضيها الممتد عبر آلاف السنين، يأخذ كتاب تاريخ مدينة الكسوة وناحيتها من العصور القديمة حتى التاريخ المعاصر للباحث والمؤرخ حسن علي الأمير القارئ في رحلة تكشف كيف صنعت الجغرافيا هوية المدينة، وحفظت ذاكرتها عبر العصور.
ويعد الكتاب، الصادر بالتعاون مع جمعية الكسوة للثقافة والتنمية الخيرية، من أكثر الدراسات شمولاً عن المدينة، إذ يوثق تاريخها وجغرافيتها وآثارها ومجتمعها، ويرصد تطورها من محطة للقوافل التجارية إلى سوق للحجيج، مستنداً إلى الوثائق والمراجع التاريخية والشواهد الأثرية والخرائط والصور، في عمل توثيقي أنجز بجهد جماعي شارك فيه باحثون ومهندسون ومصورون ومدققون لغويون.
ستة أبواب ترسم سيرة مدينة

اختار الباحث حسن علي الأمير أن يبني مؤلفه وفق تسلسل يبدأ بالمكان وينتهي بالإنسان، فجاء الكتاب موزعاً على ستة أبواب تتكامل لتقديم صورة شاملة عن الكسوة.
ويستعرض الباب الأول الجغرافيا والتاريخ العام للمدينة، وأصل تسميتها، ودورها في طريق الحج الشامي وسكة الحديد والحربين العالميتين، إلى جانب أهميتها الاستراتيجية، فيما ينتقل الباب الثاني إلى الآثار والمعالم التاريخية والمكتشفات الأثرية التي تكشف تعاقب الحضارات على المنطقة.
أما الباب الثالث، فيتوسع في تاريخ منطقة الكسوة وقراها وتلالها الأثرية، بينما يخصص الباب الرابع لدراسة نهر الأعوج والطبيعة الجغرافية والطواحين المائية، ويتناول الباب الخامس المجتمع المحلي والعائلات والعادات والتطور الإداري، قبل أن يختتم الباب السادس بتاريخ التعليم والمساجد والحياة الفكرية، مدعوماً بالخرائط والصور والوثائق والهوامش العلمية التي تعزز قيمة الكتاب مرجعاً للباحثين والمهتمين.
مدينة صنعتها الجغرافيا قبل أن يصنعها البشر
يكشف الكتاب أن الموقع الجغرافي كان العامل الذي رسم ملامح تاريخ الكسوة عبر العصور، فمع وقوعها على الطريق الواصل بين دمشق والجنوب، أصبحت المدينة بوابة تعبر منها القوافل التجارية والحجاج، بينما فرضت طبيعة الأرض البركانية والمرتفعات المحيطة أن يكون المرور عبرها أكثر أمناً وسهولة، الأمر الذي أسهم في تحولها إلى محطة رئيسة على طريق الحج الشامي، وواحة خضراء ازدهرت حولها حركة التجارة والاستقرار.
كان الحجاج المارون بمدينة الكسوة يتخذون منها محطة للراحة والتزود بالماء والطعام قبل مواصلة رحلتهم إلى الديار المقدسة، حيث يذكر الكتاب أن “خان ذي النون” كان يؤدي دوراً مهماً في استقبالهم وإيوائهم، كما كان يقدم لهم حساءً تقليدياً مغذياً يُعرف بـ”الطرخانة”، يُعد من القمح المجروش أو البرغل مع اللبن المجفف، وقد يضاف إليه اللحم أو السمن، وكان ذلك بفضل وقف أنشأه التاجر ذو النون، المتوفى سنة 778 هـ، حتى اشتهر الخان بين الحجاج باسم “خان الطرخانة”، في مشهد يجسد قيم التكافل والضيافة التي عرفت بها المدينة عبر القرون.
كما أسهم وجود نهر الأعوج في تحويل المنطقة المحيطة بالجسر القديم إلى سوق موسمي عرف باسم سوق الكسوة، حيث التقت حركة التجارة مع حركة القوافل، لتصبح المدينة إحدى أهم المحطات على الطريق التاريخي.
لماذا سميت الكسوة بهذا الاسم؟
يعرض الكتاب أبرز ما تناقله المؤرخون حول أصل تسمية المدينة، فينقل عن المؤرخ الدمشقي ابن عساكر أن الاسم ارتبط بحادثة قتل الغساسنة لرسل ملك الروم عندما جاؤوا لجباية الجزية، ثم اقتسامهم كسوتهم، فغلبت التسمية على المكان.
وفي المقابل، يورد رواية أخرى تربط الاسم بطريق الحج، إذ كان الحجاج القادمون من دمشق يتوقفون في المدينة لتبديل لباسهم استعداداً لرحلتهم الطويلة، فأصبحت تعرف بالكسوة نسبة إلى تبديل الكساء.
ويترك المؤلف للقارئ مساحة للتأمل بين الروايتين، مقدماً مختلف الآراء التاريخية التي تناولت أصل الاسم.
آثار تروي تعاقب الحضارات

من بين أبرز ما يلفت الانتباه في الكتاب، حجم الشواهد الأثرية التي يؤكد المؤلف أنها تعكس المكانة التاريخية للمنطقة.
فقد عثر في الكسوة على أختام بابلية، وقنوات ري، ومقابر رومانية، وأعمدة حجرية، ومسلة تعود إلى عهد رعمسيس الثاني، إلى جانب مواقع أثرية متعددة تشير إلى حضور المدينة في مراحل حضارية متعاقبة شهدتها سوريا، بما يجعلها شاهداً على تاريخ يمتد عبر آلاف السنين.
مجتمع جمع بين الأرض والطريق
يقترب الكتاب من تفاصيل الحياة اليومية التي شكلت هوية المجتمع الكسواني، فيوثق نشأة العائلات التي استوطنت المدينة، وتوزعها في الأحياء القديمة، وتطور البنية السكانية، اعتماداً على الوثائق الرسمية والسجلات التاريخية والروايات المحلية التي حفظت الذاكرة الاجتماعية.
ويبرز كيف جمع أبناء الكسوة بين الزراعة والتجارة، مستفيدين من خصوبة الأرض ومن موقع المدينة على الطريق الدولي القديم، فكانت القوافل تسهم في تسويق منتجاتهم الزراعية، حتى أصبح الثوم الكسواني واحداً من أبرز المنتجات التي ارتبط اسمها بالمدينة على مدى قرون.
نهر الأعوج… حين يصنع الماء تاريخ مدينة

يظهر نهر الأعوج في الكتاب بوصفه شريان الحياة الذي وفر المياه وهيأ ظروف الاستقرار البشري، وأسهم في توسع الزراعة ونشوء القرى والبساتين.
كما يسلط المؤلف الضوء على نظام توزيع مياه النهر، والطواحين المائية التي انتشرت على ضفافه، والتي شكلت جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي المحلي لسنوات طويلة.
من الكتاتيب إلى التعليم الحديث
ويرصد الكتاب تطور الحركة التعليمية في المدينة منذ الكتاتيب التقليدية، مروراً بإنشاء المدارس الرسمية، وصولاً إلى النهضة التعليمية الحديثة.
كما يوثق أسماء عدد من المعلمين الذين كان لهم أثر في الحياة الثقافية، ويبرز الدور الذي أدته المساجد بوصفها مراكز للعلم إلى جانب رسالتها الدينية، قبل أن تتوسع المؤسسات التربوية مع تطور المدينة في العصر الحديث.
نبذة عن المؤلف والكتاب

مؤلفه الباحث والمؤرخ الراحل حسن علي الأمير من مواليد مدينة الكسوة، حاصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق، ودبلوم في التربية والإدارة التعليمية، عمل مدرساً ومديراً في مدارس دمشق وحلب قبل أن يتفرغ للبحث والتأليف.
ويقع الكتاب في 408 صفحات من القطع الكبير، وصدر عن جمعية الكسوة للثقافة والتنمية الخيرية، التي تأسست عام 2017، وتعنى بنشر المعرفة، وتشجيع العمل التطوعي، وحماية التراث المحلي، وتعزيز الوعي الثقافي والمجتمعي.