دمشق-سانا
ضمن زاوية سانا الثقافية الأسبوعية “أمهات الكتب”، نقف عند كتاب “تاريخ دمشق” للحافظ والمؤرخ الدمشقي أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، وهو عمل موسوعي لم يقتصر على توثيق مدينة عريقة، بل امتد ليرصد ملامح من الحضارة الإسلامية عبر قرون من العلم والسياسة والفكر.
نشأته ومكانته العلمية
وُلد ابن عساكر في دمشق عام 499هـ/1105م، في بيئة علمية مهتمة بالحديث والفقه، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، قبل أن يبدأ رحلاته الطويلة إلى بغداد وأصبهان ونيسابور والحجاز وخراسان، جامعاً الحديث والمعرفة، كما يذكر تلميذه الحافظ ابن خلكان في كتاب “وفيات الأعيان”.
وأقام في بغداد سنوات عدة درس خلالها في المدرسة النظامية، ثم عاد إلى دمشق محمّلاً بثروة علمية جعلته من أبرز علماء عصره، وقد لقّبه معاصروه بـ”حافظ الدنيا” و”محدث الشام”، ووصفه الإمام الذهبي في كتاب “تذكرة الحفاظ” بقوله: “لم يكن له نظير في زمانه”، مشيراً إلى سعة حفظه وغزارة تأليفه ودقته في الرواية والإسناد، وتميّز بانصرافه الكامل للعلم والتأليف، إذ أمضى عقوداً في الجمع والتصنيف والتدريس، بعيداً عن طلب المناصب، رغم علاقته الوثيقة بنور الدين زنكي الذي قرّبه وساند مشروعه العلمي، وفق ما يورده ابن خلكان.
تاريخ دمشق: موسوعة الحضارة والرجال
شكّل كتاب “تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل” ذروة المشروع الفكري لابن عساكر، وهو عمل موسوعي ضخم بلغ نحو ثمانين مجلداً، وضم أكثر من عشرة آلاف ترجمة لشخصيات ارتبطت بدمشق أو مرّت بها، كما بيّن محققه الشيخ عمر بن غرامة العمروي في مقدمته للكتاب الصادرة عن دار الفكر.
ولم يكن الكتاب سجلاً للأحداث فحسب، بل موسوعة جامعة للحديث والتراجم والجغرافيا والأدب والفقه، كما يصفه الباحث محمد مطيع الحافظ في كتابه “علماء دمشق وأعيانها”، حيث اعتمد ابن عساكر فيه منهج المحدثين القائم على الإسناد الدقيق، مع ترتيب التراجم وفق حروف المعجم، متوسعاً في ذكر العلماء والأمراء والأدباء والنساء والرحالة والفقهاء.
دمشق في مركز التاريخ
أبرز ما يلفت في كتاب “تاريخ دمشق” هو النظرة الحضارية التي قدّم بها ابن عساكر مدينته، حيث رأى دمشق مركزاً للعلم والسياسة، كما تحلل ذلك دراسة الباحث سليمان مراد “ابن عساكر في دمشق”، ولم يتعامل معها بوصفها مكاناً جغرافياً فحسب، بل باعتبارها فضاءً للذاكرة والهوية والانتماء، وهو ما يؤكده الباحث محمد تركي الربيعو في كتابه “ابن عساكر: عالم ومؤرخ”، مشيراً إلى أن ابن عساكر مزج بين التاريخ والجغرافيا والفضائل الدينية والسير الإنسانية، مقدماً صورة متكاملة عن المجتمع الدمشقي وتحولاته.
بين الغزو الفرنجي وحركة الإحياء
عاش ابن عساكر في زمن الحروب الصليبية وصعود المشروع الزنكي، وهي مرحلة شهدت ما يعرف تاريخياً بـ “الإحياء الديني”، حيث برز دور العلماء والمدارس في إعادة تشكيل الحياة الفكرية بدمشق، كما يوضح مراد في دراسته.
وفي هذا السياق، ألّف ابن عساكر كتابه “الأربعون في الحث على الجهاد” بطلب من نور الدين زنكي، وهو ما يذكره الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء”.
ويرى باحثون، ومنهم الربيعو في كتابه المشار إليه، أن “تاريخ دمشق” لم يكن عملاً تاريخياً محضاً، بل كان مشروعاً ثقافياً وفكرياً سعى إلى ترسيخ صورة دمشق بوصفها حاضرة للعلم ومركزاً للنهضة الدينية في عصره.
قراءات معاصرة لإرث ابن عساكر
في الدراسات الحديثة، حظي ابن عساكر باهتمام أكاديمي متزايد، ومن أبرز تلك القراءات كتاب الباحث السوري محمد تركي الربيعو “ابن عساكر: عالم ومؤرخ” الصادر عن دار نينوى، ودراسة سليمان مراد المذكورة آنفاً، إضافة إلى ما كتبه الباحث عمر عبد السلام تدمري في تحقيقاته ومؤلفاته حول تاريخ دمشق.
وتشير هذه الدراسات إلى أن ابن عساكر أسهم في تشكيل الذاكرة الثقافية لدمشق، وأن كتابه تحول إلى مرجع رئيسي لكل من كتب عن المدينة وتاريخها وأعلامها.
مشروع عمر
لم يكن “تاريخ دمشق” عملاً عابراً، بل مشروع العمر الذي استنزف شباب ابن عساكر وكهولته، وقد ظل ينقّحه ويزيد عليه سنوات طويلة، وشاركه ابنه القاسم في ترتيبه ومراجعته قبل أن يخرج بصورته النهائية، كما يذكر الذهبي في “تذكرة الحفاظ”.
وخلّف ابن عساكر إلى جانب “تاريخ دمشق” عشرات المؤلفات، من أبرزها “تبيين كذب المفتري” و”معجم الشيوخ” و”الأربعون البلدانية”، التي عكست موسوعية علمه وتنوع اهتماماته، وتوفي عام 571هـ/1176م ودُفن في مقبرة باب الصغير بدمشق.
إرث ممتد
في تصريح خاص لوكالة سانا، يرى المؤرخ الدكتور عمار النهار أن “تاريخ دمشق” يُعد من أعظم المؤلفات التي أرّخت لدمشق وبلاد الشام، حتى غدا مرجعاً لا يمكن تجاوزه في دراسة التاريخ الإسلامي والحياة العلمية والحضارية في المشرق.
ولفت إلى أن منهج ابن عساكر الموسوعي الضخم جمع بين الرواية التاريخية والتراجم وعلم الحديث والجغرافيا والأدب، فحفظ للمدينة ذاكرتها عبر قرون طويلة.
وكشف النهار، من خلال مقارنته بين الكتب التي أرّخت لدمشق، عن تكاملية الأدوار بينها؛ فـ”تاريخ دمشق” لابن عساكر وضع الأساس الموسوعي الشامل، بينما ركّز ابن القلانسي في “ذيل تاريخ دمشق” على التاريخ السياسي والعسكري، فيما حفظ النعيمي في “الدارس في تاريخ المدارس” الحياة التعليمية والعمرانية والمساجد والزوايا، بينما عبّر أبو التقى البدري في “نزهة الأنام في محاسن الشام” عن البعد الحضاري والجمالي والأدبي لدمشق.
ويخلص الدكتور النهار إلى أن دمشق تبدو في هذه المؤلفات مدينة متعددة الوجوه؛ فهي مدينة التاريخ والسياسة، والعلم والمدارس، والجمال والأدب والروح الحضارية، ولذلك بقيت هذه الكتب من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون حتى اليوم، لأنها لا تنقل الوقائع فحسب، بل تحفظ صورة المجتمع الدمشقي وتحولاته الفكرية والعلمية والحضارية عبر العصور.