دمشق-سانا
ضمن زاوية “قراءة تشكيلية”، تقترب سانا الثقافية من التجارب الفنية السورية، التي تحوّل اللون والخط والتكوين إلى لغة بصرية تعبّر عن الإنسان وهمومه وأسئلته.
وفي لوحة “الظل الأبيض” للفنان التشكيلي عماد المقداد، تنفتح اللوحة على عالم مشحون بالقلق والتشظي الإنساني، حيث تتحول الوجوه والخطوط الحادة إلى مرآة تعكس صراع الإنسان مع الخوف والقمع والاغتراب.
لا تكتفي اللوحة بعرض وجوه بشرية ضمن بناء هندسي متشابك، بل تحوّل تلك الوجوه إلى إشارات بصرية تعبّر عن الانكسار الداخلي والصراع الإنساني، في تجربة تستلهم روح المدرسة التكعيبية بأسلوب معاصر يركز على تفكيك الشكل وإعادة بنائه دلالياً.
الوجوه بوصفها ذاكرة إنسانية
في “الظل الأبيض” يعمد المقداد إلى تفكيك الملامح وتحويلها إلى خطوط متكسرة وأشكال حادة، بما يعكس حالة التشظي النفسي والاغتراب الإنساني، وتتوزع الوجوه داخل اللوحة بين شخصيات حادة القسمات توحي بالقوة والسطوة، وأخرى صامتة مكممة الأفواه بخطوط عرضية، في إشارة إلى ثنائية القامع والمقموع، وإلى ما يتركه الخوف من أثر عميق في الوجوه والذاكرة معاً.
كما يمنح تكرار الوجوه داخل التكوين إحساساً بتراكم الألم الإنساني، بحيث تبدو اللوحة، وكأنها سجل بصري لحالات القهر والصمت والانكسار.
اللون بوصفه لغة نفسية
يستخدم المقداد اللون كأداة تعبير موازية للشكل، إذ يهيمن الرمادي الداكن على أجزاء واسعة من اللوحة، حاملاً دلالات الخوف والعزلة والقلق، بينما تظهر لمسات صفراء وذهبية وخوخية تمنح العمل توتراً بصرياً يعكس اضطراب الشخصيات وحالتها النفسية.
أما عنوان اللوحة “الظل الأبيض” فيحمل مفارقة لافتة، إذ يتحول الظل من مساحة معتمة إلى حضور خفي يتحكم بالمشهد، ويعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والإنسان ضمن فضاء بصري يبدو مشحوناً بالصراع والتوتر.
الفن بوصفه صوتاً للمظلوم
قال المقداد في تصريح لمراسل سانا: “في (الظل الأبيض) لم أرسم وجوهاً بقدر ما وثقت صراع الهوية بين أنظمة القمع التي تكمم الأفواه، وبين إرادة التحرر من مكر الظلم”.
وأضاف: “الفن بالنسبة لي هو صوت المظلوم وصرخته في وجه السجان، وريشتي لن تكون إلا مرآة تعيد للناس وجوههم الحقيقية المسلوبة”.
وتؤكد “الظل الأبيض” حضور عماد المقداد كفنان يسعى إلى تحويل اللوحة التشكيلية من مساحة جمالية صامتة إلى خطاب بصري يحمل أسئلة إنسانية وفكرية، ويمنح الفن دوراً يتجاوز الزخرفة نحو التعبير والتأمل وكشف الواقع.
قراءة نقدية للعمل
في قراءة نقدية للعمل، أشار الناقد عبده الحسين في كتاب “ملامح النسيج التشكيلي”، إلى أن الضوء في اللوحة ينبثق بوصفه “نافذة للشعور بالراحة والابتعاد عن الأنانية والتصنع”، موضحاً أن العنوان يتجاوز البعد البصري نحو دلالات إنسانية ترتبط بالنور الداخلي ومقاومة العتمة النفسية.
ولفت الحسين إلى أن تنوع الزوايا والمرايا في الوجوه يعكس صعوبة الوصول إلى الحقيقة الإنسانية الخالصة، ويكشف التباس المشاعر والهويات داخل العمل الفني.
بدوره الفنان التشكيلي خالد الخالدي رأى في تصريح لـ سانا، أن اللوحة تمثل وثيقة بصرية تدين أنظمة القمع، حيث يتحول الإنسان فيها إلى قناع وظيفي يعيش صراعاً دائماً بين سلطة الظلم وضحايا الصمت.
وتحضر في العمل أبعاد تعبيرية وفلسفية متعددة، إذ لا ينقل الفنان الواقع كما هو، بل يعيد صياغته بصرياً للكشف عن العنف النفسي والاجتماعي الكامن خلف الوجوه والخطوط والانكسارات الحادة.
كما تتحول تفاصيل العيون والأنوف والشفاه داخل اللوحة إلى إشارات رمزية تعبر عن الخوف والترقب والانكسار، فيما تعزز كثافة التكوين الشعور بالاختناق والضغط النفسي الذي يعيشه الإنسان في عالم مضطرب.
يذكر أن الفنان عماد المقداد من أبناء مدينة بصرى الشام في محافظة درعا، ولد في دمشق عام 1970، وهو خريج كلية الهندسة الكهربائية بدمشق اختصاص إلكترون.