دمشق-سانا
في أمسية ثقافية حملت الكثير من الرمزية والدلالات، احتضنت دار الأوبرا بدمشق مساء اليوم السبت، العرض الأول للفيلم الوثائقي الطويل “خفايا الحراك في دمشق”، وسط حضور حشد من المسؤولين والمهتمين بالشأن الثقافي والتوثيقي، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بتوثيق الذاكرة الوطنية واستعادة سرديتها من مصادرها المباشرة.
تفاصيل الحراك في دمشق

الفيلم، الذي أخرجه أنس الجباصيني وكتبت سيناريوه الكاتبة سهير أومري، يقدم على مدى ساعتين وثلاث وثلاثين دقيقة رحلة بصرية موثقة ترصد الحراك الثوري في دمشق بين عامي 2011 و2013، قبل أن ينتقل سريعاً إلى مراحل لاحقة وصولاً إلى لحظة التحرير في الـ 8 من كانون الأول، في بناء سردي يجمع بين الشهادات الحية والأرشيف البصري والمعالجة التقنية الحديثة.
من الحريقة إلى أحياء دمشق .. الحكاية تبدأ

يستهل الفيلم سرده من لحظة التفاعل السوري مع موجة الحراك في المنطقة العربية، متوقفاً عند أول مظاهرة شهدتها منطقة الحريقة في الـ 15 من آذار، قبل أن تتسع رقعة التظاهرات، ولا سيما في أيام الجمعة، لتشكل لاحقاً ملامح حراك منظم داخل العاصمة.
ويرصد العمل نشوء التنسيقيات في الأحياء الدمشقية، والدور الذي اضطلع به الناشطون في تنظيم التحركات، بالتوازي مع تصاعد الأحداث وسقوط أول الشهداء في عدة مناطق، وبدء إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، في مشاهد تستعيد بدايات مرحلة مفصلية في تاريخ المدينة.
كما يسلط الضوء على الحواضن الشعبية التي احتضنت المتظاهرين، ولا سيما في أحياء الميدان وكفرسوسة والمزة والصالحية، حيث أدى الأهالي، رجالاً ونساءً، دوراً محورياً في حماية الحراك واستمراريته.
تفاصيل من قلب الحراك… أساليب مبتكرة ورسائل حرة

ويقدم الفيلم مشاهد توثق اعتصام جامع عبد الكريم الرفاعي في كفرسوسة، إلى جانب أساليب مبتكرة اعتمدها الناشطون، مثل توزيع منشورات الحرية عبر بالونات الهيليوم التي كانت تُطلق فجراً من أحد منازل المهاجرين لتتناثر في أحياء دمشق، في دلالة على الإصرار على إيصال الصوت رغم ما يعرض لقطات مصورة بهواتف محمولة للمظاهرات، والكتابة على الجدران، وقطع الطرقات بوسائل بدائية، إضافة إلى وسائل احتجاجية أخرى مثل “مناطيد الحرية”، والمكبرات الليلية ذات التوقيت المحدد، وتلوين مياه البحيرات في الساحات العامة، في تعبيرات رمزية عن الاحتجاج.
شهادات موثقة وتدقيق منهجي للأحداث
ويستند الفيلم إلى مقابلات مع 27 ناشطاً وناشطة ممن شاركوا في تنظيم الحراك سراً، حيث تتقاطع رواياتهم مع مواد أرشيفية تم تدقيقها عبر لجنة مختصة، في محاولة لتقديم سردية دقيقة وموثوقة للأحداث.
كما اعتمد العمل على دمج الرشات الأرشيفية مع معالجة بصرية حديثة، بما في ذلك استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة تمثيل بعض الأحداث غير الموثقة، ضمن هيكلية جرافيكية تزامن بين السرد والشاهد البصري.
وتوزعت مواقع التصوير بين عدد من أبرز معالم دمشق، منها الجامع الأموي ومحطة الحجاز وبيوت دمشقية تقليدية وقصور أثرية، إضافة إلى إطلالات على جبل قاسيون، في تأكيد على البعد الحضاري للمكان.
عرض الفيلم في دار الأوبرا حلم تحقق بعد التحرير
وفي تصريح لمراسل سانا، أوضح مخرج الفيلم أنس الجباصيني أن عرض العمل في دار الأوبرا بدمشق “يجسد تحقيق حلم الحرية وتصحيح التاريخ بعد التحرير”، مشيراً إلى أن هذه اللحظة تمثل بالنسبة له “يوماً عظيماً”، بعد سنوات كان فيها الوصول إلى هذا المكان حلماً بعيد المنال.
وأضاف: “اليوم نحن في بلد الحرية، نصور بأسمائنا ووجوهنا الصريحة، ونبدأ مسيرة توثيق طويلة، نحن جميعاً مسؤولون فيها عن تصحيح التاريخ المزور لدمشق وسوريا”.
وأكد الجباصيني أن العمل جاء ثمرة جهد جماعي، انطلق بفكرته عام 2023، واستند إلى توثيق شهادات من بقي من نشطاء الحراك، مشدداً على أن توثيق هذه المرحلة ضرورة لحماية الذاكرة الوطنية من التشويه.
إطلاق منصة “هتاف دمشق”
وتكامل عرض الفيلم مع إطلاق مشروع منصة “هتاف دمشق” التي توثق الحراك الثوري بدمشق، والذي قدمته الناشطة هبة أحمد، بوصفه مبادرة تطوعية عمل عليها نحو 50 مشاركاً، واستند إلى معالجة أكثر من 200 ألف مادة مصورة، وتوثيق آلاف الأحداث بين عامي 2011 و2012.
ويهدف المشروع إلى بناء قاعدة بيانات تفاعلية تشمل خريطة للأحداث في مختلف مناطق دمشق، بما يتيح للباحثين والمهتمين الوصول إلى معلومات دقيقة حول الحراك، في إطار منهجي يعزز من موثوقية التوثيق.
ذاكرة تُكتب بالصورة والشهادة

“خفايا الحراك في دمشق” لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسعى إلى إعادة بناء الذاكرة الجمعية للعاصمة، من خلال روايات أبنائها وشهاداتهم، في محاولة لتثبيت تفاصيل مرحلة مفصلية، وفتح باب أوسع أمام مشاريع توثيقية تسهم في قراءة التاريخ بعين أقرب إلى الحقيقة.
ومع امتلاء الصالة الرئيسة لدار الأوبرا، التي تتسع لنحو 1200 شخص، بدا واضحاً أن هذا العمل يتجاوز كونه عرضاً سينمائياً، ليغدو مساحة لقاء بين الذاكرة والتوثيق، وبين الماضي الذي يُروى، والحاضر الذي يسعى إلى فهمه وتثبيته.
حضر الفعالية وزيرا الإعلام حمزة المصطفى والمالية محمد يسر برنية.





