دمشق-سانا
تُعدّ الصدمة النفسية استجابة إنسانية معقّدة تنجم عن التعرّض لأحداث قاسية أو مهدِّدة للحياة، مثل الحروب والكوارث وأشكال العنف، وتكمن خطورتها في تأثيرها العميق في بنية الدماغ ووظائفه، إذ لا تقتصر آثارها على لحظة الحدث، بل تمتد لتطال الذاكرة والانفعالات والسلوك، وتعيد تشكيل طريقة إدراك الإنسان لذاته وللعالم من حوله.
وفي هذا السياق، يوضح سعيد المصري، المستشار الصحي في ألمانيا، في تصريح لـ سانا، أن الصدمة النفسية لا تُعد مجرد استجابة عاطفية عابرة، بل هي عملية معقّدة تُحدث تغيرات عصبية وكيميائية قد تستمر لفترات طويلة، وتؤثر في الذاكرة والانتباه والانفعالات والسلوك، ما يجعل تداعياتها تمتد إلى مختلف جوانب الحياة.
دماغ في حالة إنذار دائم
يبين المصري أن الدماغ، عند التعرض لخطر ما، يفعّل ما يُعرف بـ “نظام البقاء”، وهو شبكة عصبية مصممة لحماية الإنسان، تلعب فيها اللوزة الدماغية دوراً محورياً بوصفها المسؤولة عن رصد التهديدات وإطلاق الاستجابات السريعة.
لكن في حالات الصدمة النفسية، تستمر هذه المنطقة في العمل بشكل مفرط حتى في غياب خطر فعلي، ما يفسّر شعور المصاب باليقظة المستمرة والتوتر الدائم، وفي المقابل، يتراجع نشاط القشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن التفكير المنطقي وتنظيم الانفعالات، الأمر الذي يخلّ بالتوازن بين العاطفة والعقل، ويجعل ردود الفعل أكثر اندفاعاً وأقل تحكماً.
ولا يقتصر التأثير على ذلك، إذ يمتد إلى الذاكرة، حيث يلعب الحُصين دوراً أساسياً في تنظيم الذكريات وربطها بالسياق الزمني، إلا أن هذا الدور يضطرب تحت تأثير الصدمة، فتُخزّن التجربة المؤلمة بشكل مجزأ، ويؤدي ذلك إلى صعوبة التمييز بين الماضي والحاضر، واسترجاع مفاجئ ومكثف للذكريات، يصل أحياناً إلى الإحساس بأن الحدث يتكرر من جديد.
عاصفة هرمونية واضطراب في التوازن
يشير المصري إلى أن الدماغ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجهاز هرموني معقد، يتصدره محور تحت المهاد – الغدة النخامية – الغدة الكظرية، المسؤول عن تنظيم استجابة الجسم للتوتر وإفراز هرمون الكورتيزون.
وفي الحالات الطبيعية، يرتفع الكورتيزون عند الخطر ثم ينخفض بعد زواله، غير أن هذا التوازن يختل لدى المصابين بالصدمة، إذ قد يبقى مرتفعاً أو يصبح إفرازه غير منتظم، ما يؤدي إلى اضطرابات النوم، وضعف التركيز، والإرهاق المزمن، كما يسهم الأدرينالين في إبقاء الجسم بحالة استعداد دائم، وهو ما يفسر استمرار القلق.
ويضيف المصري: إن هذه التغيرات تؤثر فيما يُعرف بـ “المرونة العصبية”، أي قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه، حيث تتعزز المسارات المرتبطة بالخوف، بينما تضعف تلك المسؤولة عن التهدئة والتنظيم الانفعالي.
التعافي ممكن.. لكن بشروط
يوضح المصري أن تأثير الصدمة يختلف من شخص لآخر تبعاً لعوامل متعددة، منها البنية البيولوجية، والخبرات السابقة، ومستوى الدعم الاجتماعي، والقدرة على التعبير عن المشاعر، ما يفسر التفاوت في شدة الاستجابة وطرق التعافي.
ويؤكد أن هذه التغيرات ليست نهائية، إذ يمتلك الدماغ قدرة كبيرة على التعافي، وخاصة عند توفر البيئة الداعمة، والتدخلات المناسبة، حيث يمكن إعادة تنظيم التجربة الصادمة ودمجها في الذاكرة بطريقة لا تجعلها مسيطرة على الحاضر.
لمحة عن سعيد المصري
سعيد المصري مستشار صحي معتمد في ألمانيا، وعضو مؤسس في المركز الاستشاري الصحي الألماني، يشغل فيه دور مسؤول التواصل الرئيسي، وعمل مساعداً للبحث السريري في عدد من المشافي الألمانية، إلى جانب نشاطه في التدريب والتثقيف الصحي، مع تركيز خاص على قضايا الصحة النفسية والنظام الصحي الألماني.