دمشق-سانا
شكلت الأسواق الدمشقية عبر العصور مركز النشاط الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، بدءاً من الشارع المستقيم الروماني وصولاً إلى سوق الحميدية، محافظةً على دورها كمحور للحياة اليومية داخل دمشق.

وجاء في كتاب “رحلة ابن جبير” لابن جبير من علماء القرن السادس الهجري: أن أسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاماً وأبدعها وصفاً، ولا سيما قيسارياتها، فهي مرتفعة كالفنادق، ولها سوق يُعرف بالسوق الكبير، يصل من باب الجابية إلى باب شرقي، وفيه بيت صغير جداً قد اتخذ مصلى، وفي قبلته حجر يقال، إن النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يكسر عليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع.
وبحسب الباحثة نبيلة القوصي، تعود جذور هذه الأسواق إلى العصر الروماني، وكانت مكشوفة السقف ومزوّدة بأروقة جانبية، مثل الشارع المستقيم الذي يمتد بطول 1600 متر، وقد سُمّي بشارع الأعمدة لاصطفاف الأعمدة الضخمة على جانبيه، وعُثر على بعضها خلال أعمال ترميم السوق عام 2008.
وفي إطار فعاليات أسبوع التراث المادي الذي تقيمه وزارة الثقافة السورية، نظّمت مديرية الثقافة بدمشق محاضرة بعنوان: أسواق دمشقية… عبق وتاريخ” في المركز الثقافي العربي بأبو رمانة، قدّمها الباحث في التراث أنس تللو، متناولاً الأبعاد التاريخية والاجتماعية للأسواق الدمشقية القديمة.
وتطرّق تللو إلى تاريخ الأسواق وتخصصاتها وارتباطها بالمناسبات الاجتماعية والحياة اليومية داخل البيت الدمشقي، إضافة إلى تطور بنيتها ووظيفتها عبر العصور، وأوضح أن عدد الأسواق التاريخية في دمشق كان يقارب 50 سوقاً، لم يبقَ منها اليوم سوى نحو عشرين، نتيجة التحولات العمرانية وانتشار المحال التجارية خارج الأسواق التقليدية.
وفي تصريح لـ سانا، أكد تللو أن الأسواق لم تكن مجرد أماكن للبيع، بل كانت منظومة اجتماعية متكاملة، لكل منها طابعها الخاص مثل سوق الحرير وسوق الصوف، وبيّن أن سوق الحميدية ظلّ لفترة طويلة المركز التجاري الأبرز في المدينة، مشيراً إلى ما كان يُعرف بـ”أخلاق الأسواق” التي سادت بين التجار، من تعاون وتقاسم للزبائن وابتعاد عن التنافس السلبي، بما يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية في تلك المرحلة.
وتأتي هذه الفعالية ضمن سلسلة أنشطة تنفذها وزارة الثقافة السورية ومديرياتها في المحافظات لإحياء التراث المادي وغير المادي، وتسليط الضوء على الموروث الدمشقي، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الهوية الثقافية والأسواق التاريخية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية.

