دمشق-سانا
في عالمٍ تتسارع فيه التقنيات الرقمية وتختصر المسافات بين الفكرة والتنفيذ، لا يزال بعض الفنانين يصرّون على العودة إلى الجذور، إلى المادة الأولى، إلى التعب الذي يصنع المعنى.
من هذا المنطلق، تأتي تجربة الفنانة التشكيلية سمر الحلو، التي اختارت فن الغرافيك (الحفر والطباعة) مجالاً للتعبير، حيث تتحول المعادن القاسية والخشب والصخر إلى وسائط نابضة بالحياة والذاكرة.
الفنانة الحلو منذ تخرجها من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 2020، بتخصص الحفر والطباعة، سعت إلى ترسيخ حضورها في مجال الفن الغرافيكي، من خلال مشاركاتها في المعارض الجماعية وإقامتها معرضها الفردي الأول في المركز الوطني للفنون البصرية بدمشق، مقدّمةً تجربة تجمع بين الحس التقني والرؤية الفكرية.
الغرافيك: فن الحفر بين الجذور والتقنية
في حديث مع سانا ترى سمر الحلو أن فن الحفر هو أحد أشكال الفنون التشكيلية التي تعتمد على نقش أو حفر خطوط ورسومات على أسطح مختلفة، مثل النحاس أو الخشب، ليُستخدم هذا السطح لاحقاً في طباعة العمل على الورق، وأشارت إلى أن هذا الفن يتطلب دقة وصبراً عاليين، وهو من الفنون القديمة جداً التي استُخدمت سابقاً في طباعة الصور والكتب، قبل أن يتطور ليصبح فناً مستقلاً يمتلك أساليبه وتقنياته الخاصة.

وتشير الحلو إلى تنوع تقنيات الحفر بين الحفر اليدوي باستخدام أدوات حادة، والحفر بالأحماض، إضافة إلى الحفر الغائر، حيث تُزال أجزاء من سطح المعدن لخلق عمق بصري، وقد يتم ذلك أحياناً عبر الطرق من الخلف لإبراز الرسم على سطح اللوحة، حيث رأت أن كل تقنية من هذه التقنيات تمنح العمل تأثيراً بصرياً مختلفاً، وتفتح المجال أمام تنوع تعبيري غني.
تنوع الخامات وبناء التجربة البصرية
لا تقتصر تجربة سمر الحلو على المعادن فقط، بل تمتد لتشمل التعامل مع الكتل الصخرية والخشب، إلى جانب النحاس والزنك، وهو ما يتطلب منها الجمع بين القوة والدقة والحذر في آنٍ واحد، هذا التنوع في الخامات يتيح لها إنتاج أعمال تحمل خصائص متعددة، حيث يتحول اللوح المحفور إلى وسيط طباعي قادر على نقل تفاصيل دقيقة وإيحاءات مختلفة.
وترى أن هذا الفن يشكّل لغة بصرية معاصرة تجمع بين الفن والفلسفة، وتعبّر عمّا يجول في خواطر الإنسان، بحيث يصبح العمل الفني مساحة للتأمل والتعبير في آنٍ معاً.
الفن كخطاب: المرأة، الرمز، والمجتمع

تعكس أعمال سمر الحلو لغة خاصة قد تبدو للوهلة الأولى مبهمة، لكنها تحمل في عمقها حكايات ودلالات تتكشف عبر التأمل، وتستحضر في أعمالها خطاباً بصرياً يربط بين التجربة الفردية والواقع الاجتماعي.
في عملها “ممر أصفر”، تجسّد تمرد شخصية الأنثى المهمشة، وتُظهر ملامح هذا التمرد من خلال انتقال بصري من العتمة إلى الضوء، ويحاكي اللون الأصفر شروق الشمس، ويرمز إلى نهاية الألم وبداية الانبعاث، حيث تنتصر الحرية بعد رحلة شاقة، في هذا السياق، تحضر المرأة كرمز للثورة والخصوبة، وكقوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع.
بين الحفر والفن الرقمي: موقف جمالي وفلسفي
تتوقف سمر الحلو عند التحديات التي يفرضها العصر الرقمي، حيث تحوّلت أدوات الرسم التقليدية إلى أيقونات على الشاشات، وأصبح إنجاز العمل الفني أسرع وأكثر اختصاراً. ومع ذلك، تؤكد أن التجربة اليدوية تبقى أكثر قدرة على نقل روح الفنان، لما تحمله من جهد وتفاعل مباشر مع المادة.

وترى أن قسوة العمل ومشاقه تنعكس جمالاً في النتيجة، حيث تتناغم صعوبة التنفيذ مع رهافة التعبير، وفي هذا الإطار، تمنح أهمية خاصة لثلاثية الأسود والأبيض والرمادي، بوصفها لغة بصرية تعبّر عن التباين والمكاشفة، وتكشف الوجع الحقيقي دون الحاجة إلى ألوان زائفة.
وتعتبر أن هذا العمق التعبيري لا يمكن أن يتحقق بالقدر نفسه في الرسم الرقمي، الذي يفتقد – من وجهة نظرها – إلى التفاعل الحسي المباشر مع المادة.
سمر الحلو فنانة تشكيلية من مواليد محافظة الحسكة، درست في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتخرجت عام 2020 بتخصص الحفر والطباعة، محققة المرتبة الأولى، بدأت مسيرتها الفنية عبر المشاركة في معارض جماعية، من أبرزها معرض الربيع السنوي في دمشق، قبل أن تقيم معرضها الفردي الأول في المركز الوطني للفنون البصرية، عام 2020 حيث عرضت 26 لوحة عكست تجربتها في الدمج بين تقنيات الحفر والرؤية التشكيلية المعاصرة.
تنتمي تجربة الحلو إلى الفن الغرافيكي المعاصر، مع تأثر واضح بأساليب السريالية في بناء الصورة، خاصة في تعاملها مع الرمز والخيال، تعتمد على تقنيات الحفر والطباعة، وتشتغل على خامات متعددة مثل المعادن والخشب والصخر، ما يمنح أعمالها طابعاً مادياً قوياً يقترن بعمق فكري، وتتمحور تجربتها حول قضايا الإنسان، وبشكل خاص قضايا المرأة، حيث تستخدم الفن كوسيلة للتعبير عن التهميش، والصراع، والتحول نحو الحرية، ضمن خطاب بصري يجمع بين القسوة المادية للخامة ونعومة الدلالة الإنسانية.