دمشق-سانا
ارتفعت هتافات المظاهرات وأناشيد الثورة السورية مع انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، لتشكل صوتاً جماعياً عبّر عن مشاعر الشارع السوري وتطلعاته، حيث امتلأت الساحات والطرقات بحناجر المتظاهرين والمنشدين الذين حملوا رسائل الحرية عبر كلمات بسيطة وإيقاعات حماسية.
وبين هتاف «يا الله ما لنا غيرك يا الله» الذي تردد في اللحظات الصعبة، وشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» الذي عمّ مدن البلاد وبلداتها، تشكّل وعي جمعي أدرك فيه السوريون أن الطريق إلى الحرية لن يكون سهلاً، وأن الصوت الذي خرج من الساحات سيتحوّل مع الوقت إلى ذاكرة حيّة للثورة.
الهتاف… لغة الشارع وإعلان الإرادة
لم تكن هتافات المظاهرات مجرد كلمات تُردَّد في الشوارع، بل كانت إعلان إرادة جماعية وبداية تشكّل وعي سياسي جديد لدى السوريين، ففي تلك اللحظة أدرك المحتجون أن نضالهم لنيل الحرية لن يكون طريقاً مكللاً بالأزهار، بل درباً طويلاً تعبّده التضحيات وترافقه ذاكرة الشهداء.

وفي الأسابيع الأولى لانطلاق المظاهرات، حين كانت المطالب لا تزال إصلاحية، ارتفعت أصوات المتظاهرين بهتافات تدعو إلى الحرية والكرامة ووحدة السوريين، مثل «واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد»، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، أصبحت الهتافات لغة مشتركة بين المدن السورية، تنتقل من ساحة إلى أخرى حاملةً المعنى نفسه وإن اختلفت اللهجات.
ومن بين الشعارات التي عبّرت بوضوح عن تحوّل سقف المطالب في الشارع السوري، برز هتاف «إجاك الدور يا دكتور»، الذي حمل طابعاً من السخرية السياسية في إشارة مباشرة إلى رئيس النظام البائد السابق الذي كان يُشار إليه بلقب «الدكتور»، وقد حمل الهتاف دلالة رمزية واضحة، إذ أراد المتظاهرون القول إن لحظة المحاسبة في سوريا قد حانت، لذلك تردّد إلى جانب شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» معبّراً عن انتقال الخطاب الشعبي من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بتغيير النظام نفسه.
أناشيد الثورة… أرشيف فني للحراك
إلى جانب الهتافات، انطلقت منذ بدايات الحراك حناجر المنشدين الذين دفعهم حسهم الثوري إلى إطلاق عشرات الأناشيد التي تنوعت بين الحماسية والحزينة والرثائية لشهداء الثورة، وأخرى عبّرت عن الأمل بفرح النصر، ومع مرور الوقت تشكّل ما يشبه الأرشيف الفني للثورة السورية، الذي يضم أناشيد ثورية، منها ما نشأ بشكل عفوي في الساحات ومنها ما لُحِّن ونُظِم بقصائد خصصت لهذه المرحلة.

وقد حظيت هذه الأناشيد بحاضنة شعبية واسعة وتفاعل كبير حتى أصبحت رمزاً من رموز الثورة، وخلّدت أسماء المنشدين الذين أدّوها، ويبرز من بينهم عبد الباسط الساروت الذي لُقّب بـ«بلبل الثورة» وصدح بأناشيد مثل «جنة يا وطنا» و«لأجل عيونك يا حمص» تيمناً بمدينته حمص، إضافة إلى الأنشودة الحماسية «يا إدلب جودي ونادي»، كما برز المنشد إبراهيم قاشوش الملقب بـ«عندليب الثورة» الذي أطلق أنشودة «سوريا بدها حرية» التي أصبحت تتردد وسط حشود المتظاهرين في مختلف المدن.
المنشدون… صوت الثورة ووجدانها
في حديثه لمراسلة سانا، استذكر المنشد موفق النعال أولى أناشيده في الثورة التي أطلقها خلال تشييع مجموعة من الشهداء في الجامع الكبير بمدينة دوما في الغوطة الشرقية بعنوان «رجع الخي يا عين لا تدمعي».

وأوضح أنه أدى لاحقاً عدداً من الأناشيد لشعراء وفنانين مثل أحمد قعبور ومحمد إقبال وسميح شقير، مشيراً إلى أن بعض الأناشيد استُلهمت من التراث فيما أُلِّف بعضها خصيصاً للثورة.
وبيّن النعال أن هذه الأناشيد عبّرت عن أهداف الثورة وابتعدت عن الطائفية والمناطقية، مؤكداً أن الإنشاد كان محركاً للجماهير وناطقاً باسم وجدان الثائرين، إذ كانت تطلق أنشودة تناسب الحدث القائم وتواكب ما يجري على الأرض فتلقى تفاعلاً واسعاً بين الناس، وتسهم في شرح مفاهيم الحرية وتقديم الدعم المعنوي لذوي الشهداء وتعزيز روح التضامن بين المتظاهرين والأهالي.
الهتافات الثورية… صوت الحراك السوري منذ 2011
في التجربة السورية منذ عام 2011، برزت الأهازيج والهتافات الثورية بوصفها امتداداً لثقافة شعبية عريقة في الإنشاد الجماعي، حيث تتقاطع الكلمة مع الإيقاع لتصوغ خطاباً شعبياً يعبّر عن تطلعات الحرية والكرامة.
ومع اتساع الحراك، تحولت تلك الأصوات إلى ما يشبه الأرشيف الصوتي للثورة، تختزن لحظاتها الأولى وتحفظ في كلماتها وإيقاعها صورة الشارع السوري وهو يعيد صياغة لغته الخاصة في مواجهة الواقع.