دمشق-سانا
اعتاد الفنانون والمبدعون السوريون، منذ بدايات الحركة الفنية في سوريا، تقديم أعمال وفعاليات متنوعة خلال شهر رمضان تجمع بين المتعة الفنية والرسالة الثقافية، حيث تتحول ليالي الشهر الكريم إلى فضاءات للإبداع يلتقي فيها المسرح بالموسيقا والحكاية الشعبية بالدراما، في مشهد يعكس غنى التراث الفني السوري واستمراره عبر الأجيال.
خيال الظل… فن رمضاني في المقاهي الدمشقية

ارتبطت الفنون التمثيلية الشعبية في سوريا بليالي رمضان منذ نشأتها، حيث كان الناس يجتمعون في الساحات والمقاهي حول العروض الحكائية والمشاهد التمثيلية التي تجمع بين الطرافة والحكمة.
ومن أبرز هذه الفنون في دمشق “الكراكوزاتي” الذي يقدم تمثيليات خيال الظل من خلال شخصيتي كاراكوز وعيواظ، فكان أكثر تأثيراً على مشاهديه ومستمعيه من الحكواتي، لأنه إضافة إلى ما يفعله الأخير، كان يعرض صوراً لشخصيات قصصه المختلفة، ويُلوّن نبرات صوته من وراء الستارة مع كل شخصية.
وفي ذلك يقول المؤرخ محمد كرد علي في كتابه الموسوعي خطط الشام:”ومن ملاهيهم يقصد الدمشقيون خيال الظل، ويدعوه العوام قره كوز، وكان في أول القرن الحاضر (يقصد القرن العشرين) من أشد العوامل تأثيراً في تهذيب الأخلاق وتقويمها”.
من خيال الظل إلى المسرح… أبو خليل القباني

كان شغف الدمشقيين بخيال الظل مقدمة لظهور المسرح في أواخر القرن التاسع عشر، حيث يورد الصحفي والكاتب محمد منصور في كتابه دمشق طقوس رمضانية، أن هذه المهنة وجدت في موسم رمضان إقبالاً خاصاً، لاحظه الوالي العثماني مدحت باشا حين عُيّن والياً على دمشق عام 1878، فشجع أبو خليل القباني على تقديم مسرحه الغنائي في تلك الفترة.
وقدم القباني عرضه المسرحي الغنائي “أنس الجليس” في مسرحه الذي أنشأه قرب سوق الخياطين بدمشق في سبعينيات القرن التاسع عشر، وكان لافتاً أنه أعاد تقديمه في الإسكندرية بمصر في أول ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، حسب ما نشرت جريدة الأهرام المصرية آنذاك.
الحكواتي.. تقليد رمضاني في الذاكرة السورية

في القرن العشرين شهدت سوريا مزيجاً غنياً من الأنشطة الثقافية الرمضانية التي حملت هوية الموروث الشعبي العريق، أبرزها الحكواتي الذي كان يجمع الناس حوله بعد صلاة التراويح للاستماع إلى القصص الشعبية والحماسية مثل قصة عنترة بن شداد.
ومن أشهر الحكواتية إبراهيم الجفان وعدنان سنوبر ورشيد الحلاق من دمشق، إضافة إلى الأناشيد الدينية والابتهالات التي تؤديها فرق إنشادية منها منشدو الجامع الأموي، والتي كانت تحيي أوقات السحر والإفطار.
حلب… ليالٍ رمضانية تتقاطع فيها الحكاية والإنشاد
بدورها شهدت مدينة حلب عبر تاريخها حياة ثقافية نابضة تجلت في عدد من الأنشطة الفنية التي ازدهرت خاصة في الليالي الرمضانية، ومن أبرز هذه الأنشطة الحكواتي الذي كان يجمع الناس في المقاهي ليستمعوا إلى السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وسيرة بني هلال، وأشهر الحكواتية محمد الحلبي، وهو ما وثقه خير الدين الأسدي في كتابه موسوعة حلب المقارنة عند حديثه عن المقاهي وعادات أهل المدينة.
كما عرفت حلب مجالس الإنشاد الديني والموشحات التي كانت تقام في الجوامع، إضافة إلى المجالس الأدبية التي يتبادل فيها العلماء والأدباء الشعر والنقاشات الثقافية، وقد رصد هذه الملامح محمد راغب الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، إلى جانب ما أورده عبد الفتاح رواس قلعه جي في تاريخ حلب عن ازدهار التواشيح والقدود الحلبية بوصفها جزءاً من الهوية الموسيقية للمدينة، ما يعكس تنوع الحياة الثقافية في حلب عبر القرون وامتزاج الفن الشعبي بالمجالس الأدبية والإنشاد الديني في أجواء اجتماعية مميزة.
من الحكواتي إلى الدراما… رمضان موسم للفن
مع التطورات الفنية والتقنية التي طرأت على المجتمع السوري، وخاصة في دمشق وحلب، شاركت الإذاعة السورية في هذا الطقس الثقافي الرمضاني، إذ تعود جذور الموسم الرمضاني إلى الدراما الإذاعية في خمسينيات القرن العشرين، حين كانت محطات مثل صوت القاهرة وإذاعة دمشق ومحطة الشرق الأدنى تهتم بإنتاج مسلسلات درامية خاصة بالشهر الكريم، كما ورد في كتاب دمشق طقوس رمضانية.
واستقطبت إذاعة الشرق الأدنى آنذاك أهم مبدعي الدراما الشعبية، فسجل فيها كل من الكاتب حكمت محسن والمخرج تيسير السعدي مسرحيتي “يا آخذ القرد على ماله” و”نهاية سكير”، ثم سجلا مسلسلاً رمضانياً من ثلاثين حلقة بعنوان “صندوق الدنيا عجايب”.
وفي عام 1960 انطلق التلفزيون السوري الذي خصص بدوره موسماً رمضانياً يقدم فيه الترفيه الفني الممزوج بالتوعية والإصلاح، ويذكر متابعو بدايات التلفزيون السوري أن أول مسلسل أُنتج خصيصاً للعرض الرمضاني كان مسلسل “البخلاء” عام 1967 الذي أعده ياسر المالح عن كتاب البخلاء للجاحظ، ثم المسلسل الكوميدي الأشهر الذي عُرض في رمضان مطلع سبعينيات القرن الماضي وهو “صح النوم”، وأصبح رمضان هو الموسم الأهم للدراما عاماً بعد عام وصولاً إلى زمننا الحالي.
وتبقى ليالي رمضان في المدن السورية فضاءً يلتقي فيه التراث بالإبداع، حيث تتجدد الفعاليات الثقافية والفنية التي تجمع بين المتعة والمعرفة، في تقليد يعكس حيوية الثقافة السورية وامتداد حضورها في حياة المجتمع عبر الأجيال.