دمشق/القاهرة-سانا
تواجه مصر، في ظل التطورات المتسارعة في البحر الأحمر وتصاعد الهجمات التي تتعرض لها السعودية، معادلة دقيقة تقوم على دعم أمن المملكة وحماية المصالح الاستراتيجية المصرية، مع تجنّب اتساع التوتر الإقليمي وانزلاقه إلى مواجهة أوسع.
ويكتسب التفويض الذي منحه مجلس النواب المصري، بأغلبية الثلثين في 26 تشرين الأول الجاري، للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ التدابير اللازمة لدعم السعودية، بالتنسيق مع الرياض، أهمية خاصة في ضوء ارتباط أمن المملكة بالأمن القومي المصري، ومخاطر التصعيد على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية للتجارة الدولية والبوابة البحرية المؤدية إلى قناة السويس.
ولا يعني التفويض بالضرورة التوجه إلى حرب جديدة أو شن عمليات عسكرية داخل اليمن، إذ أكد السيسي أن أي جهد عسكري مصري سيكون دفاعياً ويقتصر على حماية الأراضي السعودية وحدودها، فيما تظل طبيعة الدعم وتوقيته وحجمه مرتبطة بتطورات الميدان والتنسيق بين البلدين.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد الاعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنفذها ميليشيا الحوثي ضد السعودية، وما تثيره من مخاطر على أمن الممرات البحرية وحركة التجارة، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية التي قد تطال مصر والمنطقة في حال اتساع المواجهة.
أمن الخليج في صلب الحسابات المصرية
ويعدّ التفويض البرلماني امتداداً للموقف الذي أعلنه مجلس الدفاع الوطني المصري في 18 تشرين الأول الجاري، مؤكداً التضامن مع السعودية وتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة لها، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد والتوصل إلى حلول سلمية للأزمات الإقليمية.
ورأى الكاتب والمحلل السياسي والخبير في الشؤون العربية والدولية نوفل البرادعي، في حديث إلى سانا، أن التحرك المصري يأتي في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك، ويجسد اعتبار أمن الخليج جزءاً من الأمن القومي المصري.
واستحضر البرادعي في هذا السياق مفهوم “مسافة السكة”، الذي يشير إلى جاهزية القوات المسلحة المصرية للتحرك نحو أي منطقة عربية تتعرض للتهديد، معتبراً أن التأكيد على الدفاع عن السعودية يحمل رسالة بشأن مركزية الأمن القومي العربي في الحسابات المصرية.
تحديات إقليمية تضغط على الأمن القومي المصري
ويأتي التحرك المصري في وقت تواجه فيه القاهرة تحديات أمنية متشابكة على أكثر من جبهة، من تداعيات الحرب في السودان على حدودها الجنوبية، إلى التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي وأمن مياه النيل، فضلاً عن استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا غرباً، وما خلفته الحرب في غزة منذ تشرين الأول 2023 من تداعيات إقليمية.
وأشار البرادعي إلى أن الصراعات الممتدة في عدد من الدول العربية المجاورة لمصر تزيد الضغوط على الأمن الإقليمي، ما يجعل احتواء التوترات ومنع تحولها إلى أزمات مزمنة من المصالح المشتركة لدول المنطقة.
البحر الأحمر.. مصالح استراتيجية واقتصادية
ولا تقتصر أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر على البعد الأمني، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية المرتبطة بحركة الملاحة في قناة السويس، التي تمثل ممراً رئيسياً للتجارة بين الشرق والغرب.
وأوضح البرادعي أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وتكلفة النقل البحري، في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية من بينها تراجع إيرادات قناة السويس، وتأثر قطاعات حيوية بينها السياحة بالتوترات الإقليمية.
وأضاف أن استمرار الهجمات التي تطال الممرات البحرية يضعف ثقة المستثمرين ويرفع تكلفة النشاط الاقتصادي، ما يجعل احتواء التصعيد مصلحة مصرية مباشرة، إلى جانب كونه ضرورة لحماية أمن المنطقة واستقرارها.
ولفت البرادعي إلى أن استمرار عدم الاستقرار في جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بالتزامن مع التوترات في محيط إثيوبيا وإريتريا والصومال، يزيد المخاطر المحيطة بالممرات البحرية، ويجعل تداعياتها تتجاوز الدول المنخرطة مباشرة في المواجهة.
وفي قراءته لاحتمالات اتساع المواجهة، رأى البرادعي أن لإيران دوراً في توجيه ميليشيا الحوثي، معرباً عن أمله في أن تتعامل طهران بمسؤولية، بما يحول دون تعرض القوات المصرية لأي هجمات أو انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وحذّر من أن اتساع المواجهة قد يتيح لإسرائيل ودول غربية أخرى توسيع نفوذها في المنطقة، داعياً ميليشيا الحوثي إلى وقف اعتداءاتها على السعودية فوراً تجنباً لاضطرار القوات المصرية إلى الرد، ومؤكداً أن أي تحرك مصري يستهدف الدفاع عن المملكة وأمن الدول العربية والمقدسات الإسلامية، وليس توسيع دائرة الصراع.
الدبلوماسية خيار لاحتواء التصعيد
بالتوازي مع الاستعدادات الدفاعية، يبرز المسار الدبلوماسي بوصفه أحد الخيارات المطروحة لمنع اتساع المواجهة وتهيئة الظروف لمعالجة الخلافات الأمنية والسياسية.
وشدد البرادعي على أهمية التحركات القطرية والعمانية، بالتنسيق مع باكستان ومصر، للضغط من أجل وقف الهجمات والاعتداءات، وتهيئة الظروف للعودة إلى المفاوضات، بما يتيح معالجة المخاوف الأمنية والعسكرية بعيداً عن التصعيد.
وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة في اليمن، حيث يحتاج ملايين السكان إلى الغذاء والدواء والوقود، ورأى البرادعي أن معالجة المخاوف الأمنية عبر التفاوض من شأنها الحد من التوتر وتخفيف المعاناة الإنسانية، بدلاً من دفع المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وبينما يعزز التفويض المصري إمكانات الردع في مواجهة التهديدات التي تطال السعودية، تبقى كيفية توظيفه مرتبطة بتطورات الميدان والتنسيق بين القاهرة والرياض، في وقت تتزايد فيه المخاطر المحيطة بالممرات البحرية والمصالح الاقتصادية الإقليمية. وتتمثل المعادلة أمام مصر في الموازنة بين الدفاع عن أمن الخليج وصون مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، والحفاظ على فرص الحل السياسي، بما يحول دون اتساع التصعيد وتحوله إلى حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.