لندن-سانا
أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تمضي في مرحلة إعادة بناء شاملة تقوم على استعادة العلاقات الدولية وتعزيز الثقة مع الدول، بالتوازي مع إطلاق مسار سياسي تدريجي يستند إلى الحوار الوطني والإعلان الدستوري، وصولاً إلى انتخابات حرة.
وشدد الرئيس الشرع خلال جلسة حوارية في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” في العاصمة البريطانية لندن اليوم الثلاثاء، على أن الدولة السورية ماضية في حصر السلاح بيدها وفرض سيادة القانون، مع الالتزام بضمان الحريات عبر إطار قانوني ودستوري واضح.
وأوضح الرئيس الشرع أن سوريا تتبنى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تجنب الصراعات والدعوة إلى الحلول التفاوضية، مع التركيز على إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، مؤكداً أن مسار العدالة الانتقالية سيُبنى على أسس قانونية تضمن المحاسبة وتحفظ السلم الأهلي.
العلاقات مع المملكة المتحدة والانفتاح الدبلوماسي
وقال الرئيس الشرع: إن سوريا قطعت خطوات متقدمة في مسار علاقاتها مع المملكة المتحدة، لافتاً إلى إسهام بريطانيا في دعم الشعب السوري عبر رفع العقوبات، ومؤكداً أن اللقاءات التي جرت اليوم في لندن من شأنها تعزيز مستوى الثقة، في وقت تتجه فيه العلاقات الدبلوماسية نحو الجاهزية الكاملة، بما يشمل إعادة تفعيل السفارات.
الاستحقاقات الداخلية والمرحلة الانتقالية

وفي الشأن الداخلي، أوضح الرئيس الشرع أن سوريا ماضية في تنفيذ التزاماتها السياسية، مبيناً أنه جرى عقد مؤتمر الحوار الوطني وإصدار إعلان دستوري نص على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات تمهيداً لإجراء انتخابات حرة، لافتاً إلى إجراء انتخابات مجلس الشعب الذي ستبدأ أولى جلساته الشهر القادم، على أن يعاد النظر في القوانين بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
وبيّن الرئيس الشرع أن تشكيل الأحزاب السياسية مرتبط بإقرار الدستور الجديد، حيث ستتولى لجان منبثقة عن مجلس الشعب إعادة صياغته، بما يتضمن قوانين تنظم الحياة الحزبية وتتيح مشاركة الأحزاب في السلطة والحكومة.
الحريات العامة والضمانات القانونية
وفيما يتعلق بالحريات العامة، شدد الرئيس الشرع على أن دور رئيس الدولة يقتصر على تطبيق القوانين التي يقرها الدستور، وليس فرض قيود جديدة على المجتمع، مؤكداً أن الإطار القانوني هو الضامن للحريات الشخصية.
العدالة الانتقالية ومعايير المحاسبة
كما تناول الرئيس الشرع ملف العدالة الانتقالية، موضحاً أن هذا المسار يشكل أولوية، لكنه يحتاج إلى أطر قانونية واضحة تضمن تحقيق العدالة دون الانزلاق إلى الانتقام، لافتاً إلى اعتماد معايير دقيقة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى، مع العمل على ملاحقة المطلوبين وإجراء محاكمات علنية.
وأشار إلى أن عدد الجرائم المرتكبة خلال أربعة عشر عاماً كبير جداً، بحيث يتعذر على أي دولة في العالم محاسبة مئات الآلاف أو عشرات الآلاف دفعة واحدة، ولذلك تم اعتماد معايير دقيقة للمحاسبة، مستندة إلى تجارب دول مرت بظروف مشابهة، وشملت هذه المعايير مرتكبي المجازر الجماعية، ومن قصفوا بالبراميل المتفجرة، ومن استخدموا السلاح الكيميائي، إضافة إلى من مارسوا التعذيب في السجون، وكل من ارتكب جرائم نوعية خطيرة.
توحيد البلاد واتفاق إدماج “قسد”
وحول ملف توحيد البلاد، أوضح الرئيس الشرع أن الدولة تعمل على حصر السلاح بيدها، مشيراً إلى أنها أجرت حوارات مع “قسد” أفضت إلى اتفاق أولي في العاشر من آذار 2025، أي بعد الوصول إلى دمشق بنحو ثلاثة أشهر ونصف.
وبيّن الرئيس الشرع أن هذا الاتفاق محدد بمدة زمنية، وينتهي بدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، لافتاً إلى أن أغلب الدول دعمت هذا الاتفاق، وقال: إن الخيار لم يكن عسكرياً في الأساس بل سياسي، رغم وقوع اشتباكات نتيجة تباطؤ “قسد” في تنفيذ بنود الاتفاق.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن الولايات المتحدة لم تدعم عسكرياً دخول القوات السورية الى منطقة الجزيرة بل سعت إلى معالجة الإشكالات، لكن رغم الفرص الكثيرة التي أعطيت في ذلك الوقت إلا أنه حصل سوء تقدير من “قسد”، لأن الدولة السورية كانت تستند إلى شرعية ثورية ومجتمعية وشرعية دولية، في حين كانت شرعية “قسد” مؤقتة ومرتبطة بظروف محددة لقتال تنظيم “داعش” في تلك المرحلة، نتيجة فقدان النظام البائد لشرعيته، ما اضطر بعض الدول إلى التعاون المؤقت معه.
وأوضح الرئيس الشرع أنه مع استعادة سوريا علاقاتها مع الدول الكبرى والإقليمية، باتت هذه الدول وفق القانون، ملزمة بالتعامل مع الدولة المركزية المعترف بها في الأمم المتحدة، وفي هذا الإطار، طرحت الدولة السورية على الولايات المتحدة الأمريكية خياراً يقوم على عدم التخلي عن حلفائها، عبر تقديم فكرة دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن عملية الدمج تجري حالياً بشكل جيد.
المراجعات الفكرية
كما أوضح الرئيس الشرع أن تجربته السابقة قادته إلى مراجعات فكرية وسياسية، أسفرت عن تبني نهج مختلف يهدف إلى حماية المجتمع وتجنب أخطاء التجارب السابقة، وهو ما أنتج آخر المطاف إسقاط النظام المجرم الذي ارتكب جرائم كبيرة بحق الشعب السوري وإنقاذ المجتمع السوري من ظلم مر عليه 60 عاماً.
التوترات الإقليمية والسياسة الخارجية
وفيما يخص التوترات الإقليمية، أكد الرئيس الشرع أن سوريا تدعو إلى الحلول التفاوضية في النزاعات، ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة، محذراً من تداعيات التصعيد العسكري على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، ومشيراً إلى أن دمشق ستبقى خارج أي صراع ما لم تتعرض لاعتداء مباشر، وستركز على إعادة الإعمار وتعزيز الاقتصاد وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

وقال الرئيس الشرع: إن إيران خلال تدخلها في سوريا على مدى الأربعين عاماً الماضية، أسهمت في دعم النظام البائد وما رافق ذلك من تهجير للسوريين، مشيراً إلى أن البلاد تعاني من وجود أكثر من 10 ملايين سوري خارجها، ومقتل أكثر من مليون إنسان خلال السنوات الـ 14 الماضية، إضافة إلى نحو 250 ألف مفقود، كما أن إيران، عبر دعمها للميليشيات المساندة للنظام، كانت رأس حربة في الصراع الذي قاده النظام ضد الشعب السوري.
وأضاف: بعد وصولنا إلى دمشق لم يكن لدينا خلاف مع إيران كدولة، وإنما مع ممارساتها على الأرض السورية، التي تمثلت في احتلال قرى وبلدات سورية والاعتداء على الشعب السوري وتهجيره، وبالتالي سعينا منذ البداية إلى انتهاج سياسة واضحة تقوم على الحفاظ على الاستقرار الأمني ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، وهو ما يتطلب قدراً من الهدوء في العلاقات مع مختلف الدول، حتى تلك التي كانت على خلاف أو تشكل خطراً على سوريا، ولذلك تأنينا في فتح العلاقات مع إيران حتى هذه اللحظة.
وتابع الرئيس الشرع: إن الحرب الدائرة حالياً تؤثر سلباً في المنطقة من خلال تعطيل إمدادات الطاقة والوقود، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن إيران تواجه إشكالات تتعلق ببرنامجها النووي والصواريخ الباليستية، إلى جانب تدخلها في شؤون دول أخرى، وبالتالي يجب البحث عن حلول تفاوضية بدلاً من اللجوء إلى القوة العسكرية، لما يترتب على ذلك من مخاطر كبيرة.
الاستقرار والأمن وحدود الدولة
وشدد الرئيس الشرع على أنه إذا لم تتعرض سوريا لاستهدافات مباشرة من أي جهة فستبقى خارج الصراع، إذ يكفيها 14 عاماً من الحرب التي دفعت خلالها فاتورة كبيرة جداً، وبالتالي دمشق ليست مستعدة لخوض تجربة جديدة، وقال: من دخل غمار الحرب يدرك قيمة السلام، والشعب السوري اليوم بحاجة إلى ترسيخ ركائز تدعم الاقتصاد، مع التركيز على البناء وإعادة الإعمار واستقبال اللاجئين الذين هاجروا قسراً، ثم تحويل سوريا إلى منطقة اقتصادية مهمة عبر استثمار موقعها الجغرافي والجيوسياسي، بما يمكنها من أداء دور فاعل في المنطقة كحالة إقليمية.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن سوريا تمتلك علاقات إيجابية مع دول المنطقة كافة، بما في ذلك الأردن ودول الخليج العربي ولبنان والعراق وتركيا، إضافة إلى علاقات مع دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، معرباً عن اعتقاده بأن سوريا مؤهلة لبناء شبكة علاقات استراتيجية ودبلوماسية واسعة، وقال: لا أحد مستعداً لخوض غمار الحرب إلا في حال التعرض لاعتداء واضح وكبير، وبعد استنفاد جميع الحلول الدبلوماسية.
وأكد الرئيس الشرع أن حماية الحدود السورية تقتضي منع تهريب السلاح، لأن مرور السلاح يرافقه الكثير من المخاطر، وقال: دفعنا ضريبة تدخل حزب الله في سوريا على مدى 14 عاماً، حيث كان الحزب مشاركاً بشكل فعال إلى جانب النظام البائد في قتل الشعب السوري، لكن بعد وصولنا إلى دمشق سعينا إلى انتهاج سياسات لا تضر بالواقع اللبناني، وحرصنا على عدم امتداد الصراع إلى لبنان، مع التأكيد في الوقت ذاته على حماية حدودنا على أقل تقدير، وهو ما يتطلب منع تهريب السلاح ومكافحة التهريب.
العلاقة مع إسرائيل
من جهة ثانية أكد الرئيس الشرع أن إسرائيل تعاملت مع سوريا منذ البداية بشكل سلبي، حيث قصفت الكثير من المواقع السورية وتوغلت ببعض المناطق وخرقت اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي صمد لأكثر من 50 عاماً، كما كان هناك مفاوضات غير مباشرة ثم مباشرة جرت خلال الفترة الماضية، وتم تحقيق تقدم في بعض المراحل، إلا أن المواقف الإسرائيلية شهدت تغيراً في اللحظات الأخيرة.
وفيما يتعلق بغزة، أكد الرئيس الشرع أن الشعب السوري يتعاطف مع معاناة الفلسطينيين، مشيراً إلى أن سوريا تمر بظروف إنسانية صعبة نتيجة الحرب، ما يجعلها تركز على إعادة البناء الداخلي.
الدبلوماسية الدولية والعلاقات المتوازنة
وفي الشأن الدولي، لفت الرئيس الشرع إلى أن سوريا تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، مبيناً أنه من دلائل نشاط الدبلوماسية السورية أن تكون في البيت الأبيض، وبعد بضعة أيام في الكرملين، ولا سيما في هذا الوقت الحرج الذي يصعب فيه على أي دولة في العالم إقامة علاقات متوازنة بين أطراف متصارعة.

وأشار إلى أن روسيا كانت منخرطة في الحرب ضد الشعب السوري إلى جانب النظام البائد، غير أن هناك في المقابل علاقات تاريخية وروابط قديمة تجمع بين سوريا وروسيا، وقد سعت سوريا إلى التخفيف من الأضرار دون الوصول إلى حالة من التصعيد مع الجانب الروسي، موضحاً أنه من بين عشرات القواعد لم يبق في سوريا سوى قاعدتين، ويجري العمل على الترتيب لتحويلهما إلى مراكز لتدريب الجيش السوري.
ملف اللاجئين والاستثمار وإعادة الإعمار
وفي ملف اللاجئين، أكد الرئيس الشرع أن عودتهم ترتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية وإعادة الإعمار، مشيراً إلى عودة أعداد كبيرة طوعاً خلال الفترة الماضية، معتبراً أن الاستثمار وتوفير فرص العمل يشكلان ركيزتين أساسيتين لتشجيع العودة، وتحويل التحديات إلى فرص اقتصادية تدعم مستقبل البلاد.
وأكد الرئيس الشرع أن الدول الأوروبية مشكورة على استقبال اللاجئين السوريين خلال سنوات الثورة، غير أن إعادة أي شخص إلى بلده لا تتم بمجرد وضعه في طائرة وإعادته، لأن ذلك قد يسبب له صدمة ويدفعه إلى الهجرة مجدداً، ولذلك لا بد من إدارة هذا الملف بطريقة سليمة تحفظ كرامة اللاجئ وحقه في العودة الطوعية.
وأوضح أن إسقاط النظام البائد فتح الباب أمام عودة واسعة، إذ عاد خلال العام الماضي أكثر من مليون و300 ألف سوري طوعاً من دول اللجوء، كما عاد نصف من كانوا يعيشون في المخيمات إلى قراهم المدمرة أو المهدمة، وأشار إلى أن روح الانتماء عادت إلى الشعب السوري، وهو ما يولّد رغبة طبيعية في العودة.

وبيّن الرئيس الشرع أن الحكومة السورية اعتمدت الاستثمار مساراً لإعادة الإعمار وتحويل النكبة السورية إلى فرصة اقتصادية، وأن كل زيارة خارجية تتضمن لقاءات مع شركات كبرى لعرض الفرص الاستثمارية في سوريا، مبيناً أن شركات ألمانية كبرى أبدت اهتماماً واضحاً بالاستثمار، وأن الحكومة طرحت عليها فكرة اعتبار اللاجئين السوريين في ألمانيا فرصة اقتصادية، لما اكتسبوه من لغة وخبرات في المصانع والشركات الأوروبية، بما يؤهلهم ليكونوا قوة عاملة مهمة في فروع تلك الشركات داخل سوريا.
وأوضح الرئيس الشرع أن ما نُقل عنه في ألمانيا لم يكن دقيقاً، وأن من قال: إن 80 بالمئة من السوريين في ألمانيا سيعودون خلال ثلاث سنوات كان المستشار الألماني خلال حوار مشترك، بينما كان هو يشرح أن عودة اللاجئين مرتبطة مباشرة بإعادة إعمار سوريا.
وختم الرئيس الشرع حديثه بالقول: إن اجتماع هذه الظروف، من إعادة الإعمار والاستثمار وتوفير فرص العمل وعودة الاستقرار، سيجعل 80 بالمئة من السوريين في الخارج قادرين على العودة إلى وطنهم بإرادتهم لا بضغط أو إجبار.